|
لوحة جبر علوان - الشفرات الابستيمية وأفق اللون
07-02-2006
رياض الدليمي
يعد التنوع في توظيف الشكل والمضمون من بين عدة أساليب فنية اختارها الفنان جبر علوان ليؤكد قدرته علي أن يلتقي مع العالم في نقطة الإبداع..إن جبر علوان لم يخرج من أسلوب الفن الرافد يني بل خرج وكسر فن التكنيك الأكاديمي السائد وخط لنفسه أسلوبا خاصا به ومغايرا يستلهم الإرث الرافديني كمناخ وبيئة وموضوع عاداً إياه الشرارة الأولي للاقتراب من الواقع الآني اللحظوي ليضفي توهجه الفني علي لوحته لتبث للمتلقي كشفرات وومضات عن الم وكبت قد يكونان تاريخيان بزمن معلوم إيحائيا وليس حسيا، أي أن سيميائية لوحاته لا تشير إلى رمزية اللون الستاتيكيه بل جعل من اللون شخصا ثالثا وتجاوز أن يكون - اللون- كأحد أبعاد اللوحة بل أعطاه شخصية حسية موحية ومعلنة عن كيانها. إذ لم يعط شيئياته( موضوعات لوحاته) الشكل المجسد بعلاماته المماثلة أو المشابهة بل جسدها لونيا وليس تخطيطيا أو تصويريا بل أكتفي بوصفها لونا وهذا يعد أسلوبا تعبيريا متفردا به من بين الفنانين العراقيين في الداخل والخارج، أي أن ملامح وسحنات مخلوقاته ذهنية لا مرئية وان شغلت حيزا وبعدا في لوحاته. لم يجسد الأنثى المتخيلة(المرأة الحلم) بل جسد ضحاياه - ليس بمعني الارتكاب الشخصي بل ضحاياة ثيمة لوحاته. إن جبر علوان اختزل العالم التصويري المرئي بالأنثى أي انه اسقط إفرازاته الثقافية والنفسية والاجتماعية بكتلة لونية تشير إلى أنثي ذات خصائص مختلفة وهذه الخصائص تمثل الإشكالية التي نحن بصددها. إن تدفق اللون بغزارة علي السطح التصويري هو بمثابة نزف فكري ونفسي وإجهاض لهم ذاتي وكوني فكلما فاض به هذا الهم وانحبس تكثف كتل اللون علي سطح خامته وعلي أشلاء ضحاياه وعلي مكوناتهم وأشيائهم بل علي أجسادهم الممزقة والمتشظية بين الواقع الظاهري والواقع التصوري المجسد بفرشاة وأصابع مشاكستين وانثيالات أدوات معنية بفن التشكيل أحيانا وفي أحايين كثيرة قد تكون أدوات تركها الفنان بين أحشاء مكانة لها علاقة باللوحة أو قد تكون لها علاقة بشيئيات جبر علوان الإنسان. المرأة لديه معزولة ومنتظرة تحيطها الجدران ومشوهة النظرة وجهها غير مرئي، إما تكون بعيدة عن الإدراك الحسي للمتلقي، أو مرسومة بخدعة بصرية إنها نائمة بخدر الترقب والانتظار أو ناعسة أتعبتها الأقدار، لطخ وجهها بفعل الفرشاة أو بفعل ذاتي، تخفي نظراتها بيديها من دنس قد ارتكبته أو من خجل المواجهة مع القدر، لقد أدمنت الوقوف خلف نافذة أو في مدخل باب أو بجوار جدار، تترقب منفذا للحياة أو لوظيفة أنثوية قد تؤديها برغبة الموت والانتحار والخلاص. لقد تعمد الفنان من وخز أنثاه بأفيون الاستسلام واستلب منها جرأة التمرد والانفلات، المرأة هنا متلاشية بلون الثلج والبياض والعدم أي ليس لها كيان وكينونة في هذا العالم. أنثي جبر علوان مستسلمة للانتظار والأداء السلبي بوصفها انثي، إنها تتكيء علي مسند أو جدار أو علي أكتاف رجل استلبها وكبلها بقيود وأودعها الدهاليز المعتمة. اللون الأحمر كما نشاهده على سطح لوحاته بكثافة يشير لمحرمات الحلم للإفلات من قبضة قدر بيئوي وحياتي ومثيولوجي. أنثي جبر علوان شرقية الملامح والبيئة وقد أضاف لها سحنات وصفات (الآخر) فارعة الطول والبياض والشقرة والعري، بتعبير آخر اختلطت سمات أنثاه المجسدة فالواقع الحسي البصري للنظرة الأولي توحي أن هذه الأنثى ليست شرقية ولكن فاحصة تكتشف تكنيكا قد أوهم فيه المتلقي أن سحنات وسمات الأنثى تنتمي إلى بيئة أخري بالرغم من ترف ملامحها ومكوناتها تكتشف فيها بؤس الشرق طاغيا علي هذا الترف الصنيع وبرغم الوهج اللوني وطرافة التجسيد ودهشة المتلقي للفضاء السحري للوحته. إن الاغتراب بدلالات الاختلاف الشكلي للأنثى وسيميائية والملابس و الإكسسوارات وملء فراغات سطح اللوحة بالديكورات والأثاث ليؤكد علي حقيقة هذه الغربة المرسومة علي وجه إناثه ودلالاته النفسية والاجتماعية والفكرية وهي اختزال لذاتية فردية توحي إلى معاناة الفنان من قسوة الاغتراب، فإقصاء المرأة ونفيها خارج الحياة هي بحقيقة الأمر تأكيد من الفنان بوعي أو دون وعي علي هذه القساوة. لم تشر لوحاته إلى المرأة بوصفها أم أي قد أعطاها جدب وجور للأمومة وهو تأكيد علي الجمود وعدم فاعليتها وتجريدها من المشاركة الحياتية الايجابية أي أن المرأة هنا تلتقي عند نقطة السكون لا الحركة أي أراد أن يقول إن الذات مهما تعددت أشكالها فهي متقوقعة غير منتجة حضاريا وفكريا ووجوديا، أي أن الذات خرجت بالإقصاء من لعبة المشاركة في البنية والصيرورة الاجتماعية والثقافية وهذا مجسد من خلال استغراقه للأبعاد الثلاثة في لوحاته، انه لم يطلق الذات الإنسانية أن تعتمل وتشارك في المحيط بل علي العكس انه أوغلها في الداخل وكبلها وجردها من الحضور الإنساني ليؤكد حقيقة العزلة بالإكراه وجرد الذات من الانتماء للمحيط حيث جعل من الثيمة (المرأة) واللون والفضاء أدوات فنية تعبيرية مجردة عن حقيقتها الإنسانية المتعايشة بل جعل من آلياته أدوات فنية يكررها ويستنزفها من هذا التكرار، وخاصة عمل علي استنزاف اللون عن طريق اعتصام اللون وبكثافة وحدة للتعبير عن التظاهر والاحتجاج والإملاء علي سطح اللوحة بالقسر المتوائم مع موضوعته (التغييب والتهميش للمرأة - الأنثى الحلم- ) للأرائك والملابس والإكسسوارات الأعنف أنوثة، أما الجدران والنوافذ فأنها هامدة أي لا تؤدي وظيفتها كأشياء صنيعة للنفاذ والاحتماء والاستقرار والديمومة والولادة، انه يفصح من خلال ذلك إن شيئيات لوحاته هي نقطة البداية- الولادة - للنفاذ إلى الفضاء الخارجي (المحيط) ليعبر عن ذاتيته والعالم الإنساني ولاسيما إصرار الفنان علي الانتماء للمحيط كمدخل لفعل المشاركة بالحضارة الإنسانية كفن وفكر وجمال وبناء. والسؤال الذي يطرح هنا ما المعادلة الثيمانية التي يطرحها الفنان هنا تكتفي بموضوعة الاغتراب أم أراد أن يجسد حلم المرأة أم المرأة الحلم؟ يشير ( عفيف فراج) في هذا الصدد من اجل المقاربة نورد ذلك ( إن المؤامرة الأساسية علي حرية المرأة تكمن في تحديد اختزالها إلى جسد وتجريدها من أسلحة الفكر والعمل المنتج التي تشكل الضمانة الوحيدة للحرية والتجربة الحرة). في لوحاته العديدة وخاصة ما بين عامي 1993 و1997 المنشورة في كتاب صدر في روما 1997 التي تضمنت أهم أعماله وكذلك كراس صدر في بيروت عام 1995 أيضا تضمن عدد من لوحاته، نجد أن الفنان جبر علوان كرس جل اهتمامه بهذه الموضوعة ( المرأة) ويؤكد علي إن المرأة مستلبة حتى من الحلم كما أسلفنا ولو نظرنا بشكل متأن إلى لوحته(ليلة ممزقة) 1994 وهي بمثابة تجسيد وتصوير مخيلة الفنان إلى المرأة في ليلة زفافها من زاوية يراها هو فقد جسدها في بذلة عرس ذات ألوان زاهية وخاصة اللون الأصفر المشع والأبيض الناصع والأزرق الصافي وكلها تشير إلى الحلم الوردي للمرأة الا أن هذا الحلم قد اغتيل فنزفت الدماء وامتلأ سطح لوحته واندمجت الدماء برمزية عالية مع الألوان الداكنة لفضاء لوحته وخاصة لون الأسود والجوزي والأزرق الداكن والرمادي وأغمضت العروس عينها ما بين لحظتي الموت والتأمل، أي أعطى لاستباق الزمنين بعداً واحداً ورمزين يشكل أحدهما الآخر، أولهما إغفاءة الحلم من حيث تتويج المرأة بهالة الأنوثة والنشوة المفعمة بنشوة الانتظار الأنثوي للبلوغ بوصفها انثي قد حققت حلم حياتها المختزلة بهذه الليلة لتؤكد ذاتويتها ولتحقق مجد زهوها وفرحها ومنالها بعد سنين عجاف، وثانيهما لحظة أخرى هي أقرب إلى ( الاكشن) والصدمة باغتيال كل تلك التداعيات والهواجس وتمزيق هذه الليلة (الحلم) من قدر كلفها أن يتحول البياض إلى نزيف دم سال وخر من علو صدرها حتى اتخذ أخاديد علي بياض بدلتها وقدميها حتى السواد.
الدم لم يكن رمزاً أنثويا، وفعلاً ذكورياً إنما يرمز الدم هنا إلى القتل والاغتيال واستلاب الحلم، وكذلك اغتيال الليلة المنتظرة الليلة التي تمثل الانتقالة بين زمنين زمن الانتظار والترقب إلى زمن الحقيقة والواقع العياني ومن زمن مليء بالارهاصات والتشويش الفكري والنفسي والبايلوجي واتساع استحضاراته إلى زمن متبدد بلحظة ضغط زناد سلاح أو إشعال فتيلة احتراق لتحيل كل ما هو مرئي إلى آخر غير مرئي محال، ولهذا أراد الفنان أن يجرد الجسد بوصفه كياناً حسياً إلى آخر مطلق فلم يسقط الجسد(العروس) علي الأرض بعد أن نزفت الدماء ولم تلامس قدماها أرضاً أو أفراشاً أو أي ملمس مادي وإنما كان جسد العروس طائراً في فراغ يغزوه السواد والعتمة وهو جو صوفي أختلقه الفنان لعروسه الحلم الممزقة بفعل الخطيئة كأن هذا الطقس الذي جسده أراد أن يفتح لنا قراءة أخري خالية من مفردات الفرشاة والسطح التصويري والفضاء والإطار هذه القراءة هي قراءة روحية وفكرية وتأملية للحلم أي تساوت هنا قيم الحلم الأنثوي والذكوري واندمجت بفكر واحد هو الفكر الانسانوي الشرقي تحديداً ليقترب من أيدلوجية التجريد.. والمطلق هنا هو السمو للذات الحالمة والراقصة علي إيقاع شرقي كما يصفها عبد الرحمن منيف(إنها تراث بابلي من الشعر والملحمة والموسيقي والبناء، وصولاً إلى الحالات القصوى من الحزن والخوف والعنف والبكاء والهذيان ورغبة الخلود، وقد تتجاوز ذلك إلى سؤال الطفولة البريء والشائك، لماذا وكيف وأين؟ انه لو ترك وهو يرصد نساءه كان يري ابعد مما يظهره العري، كان يرصد الإنسان - المرأة.. والعذاب).
وفي جو آخر لسرقة الفرح واستلاب المرأة بوصفها أنثي في لحظات ينبغي أن تكون أنثى ويجسد ذلك جبر علوان في لوحة من إحدى لوحاته لامرأة أجتلست الأريكة أو توسدتها لتؤكد حضورها الأنثوي وقد اتقدت ألوان لوحته بالألوان المخملية والنرجسية الخافتة والتي تبعث جواً يثير مكامن التراث وكينونتها لتؤكد الحس الأنثوي والذكوري ويترك جبر علوان أنثاه ترسم وجودها والقها وكينونتها المزعومة علي السطح التصويري بالإيماءة أو الإشارة الفصيحة للمنتظر ( الرجل) فيجسده جبر علوان بهزالة الجسد وشبحية الملامح وفيض الغريزة الذكورية وهذان العنصران(الهزالة والشراسة) يشكلان مفارقة قيمية إذا أراد أن يقول إن المرأة بوصفها انثي لوحته وأنثى ألوانه وفضاء لوحته وسطحها قد اغتيلت أنوثتها من رجل بهيئة شبح أو من رجل هو الآخر مستلب الرجولة، وبسيمائية عالية جسد جبر عزاء شخوصه واستلابهم وفشلهم في صنيعهم الحياتي بزمن معلوم فأعطي لوناً مخملياً ساحراً للوحته وبكثافة لونية وطاقة تعبيرية من خلال تدفق ألوانه بكتل كما أسلفنا ليجعل من هذه الألوان باعثاً لأمل منشود تركه في فراغ اللوحة وهي إشارة من لدن الفنان إذ يمكن للمستلبين أن يبنوا لهم كياناً ووجوداً في الفراغ.
جريدة (الزمان) - العدد 1913 - التاريخ 2004 - 9 – 13
لوحات مثقلة بشحنات من الانفعال موسى الخميسي
الرؤية الفنية عند الفنان جبر علوان تبني نفسها على شعور عاطفي قلق، وهيمنة حسية تبحث عن تعبير آني مباشر، يتمثل بلغة الشكل ذات المنحى الواقعي التعبيري، الذي تجسده ألوانه الاصطلاحية اللاواقعية المثيرة بصريا، وهذا الجمع الذي بدأ واضحا خلال عمله في السنوات الأخيرة، لا يمكن عزله عن بعضه، لأنه يشكل وحدة نسيج تمتلك ملامحها من خلال تلك الألوان التي منحها قيمة مطلقة، مثقلة بشحنة الانفعال، الصافية الرائقة التي تبدو بعض الأحيان وكأنها غير متصالحة مع بعضها على سطوح لوحاته. فهو في مركباته التعبيرية يعتمد هيمنة الحدس والمخيلة، هيمنة الرؤية على المعرفة الذهنية، وإسقاط حالته الفردية على الإنسان الذي يشغل كل مساحات لوحاته مرسومة بسرعة دون تفكير معمق أو تعقيد، بتعبيرية تلقائية يتجاور الأحمر الناري والأزرق الليلي مع الأصفر المحترق، يوحي بالتضاد، ويحمل قدرا كبيرا من التكامل المتوازي بين نقيضين. تتصف اللوحة عند جبر بالتسطح المعتمد للأشكال، التي تبرزها لمسات الطلاء نفسها الدالة على الخطوط المضطربة المستمدة من حركة الأجسام البشرية وإرهاصاتها التعبيرية، إذ أن سطوحه الملونة التي لا تحددها في العديد من الأحيان إلا خطوط تتصف بالصلابة وعدم الانتظام ، قد أضافت قدرا ملموسا من الحيوية البصرية على الشكل المطلوب إنجازه والتي تشعر المتلقي بتلخيص بليغ ومفاجئ للموضوعات التي يطرحها الفنان، مع أن ما يطرحه يعتبر سهل القراءة ويتيح في اغلب الأحيان فرصة التقارب مع الواقع المرئي، ذلك انه يتخذ من الإنسان موضوعا يعبر من خلاله عن أحاسيسه. إن تعبيرية جبر علوان التي قامت على تشويه الأشكال وعنف اللون اللاواقعي، وعملت على استثمار مصادر الاضطراب، لا زالت ملتزمة بمشاكل الناس الذين صورهم بمحبة وروعة، ومرتبطة بعالم الظواهر التي تحيطنا اجتماعيا، تبدو وكأنها لحظة معاشة، رسالة ملونة صامتة غير متحركة، إلا أنها تولد لدى المتلقي انطباعا بالحركة التي تحيل كل ما هو مجرد حسي، ومنطلق من العام إلى الخاص، إذ يمكن أن يقال بان فنه استدلالي، يبدأ بتجريد بنية اللوحة بطريقة لا تحمل أي إيهامية، إنها بنية سريعة تتمثل بوضع مساحات كبيرة من اللون تقوده لتحديد الشكل المطلوب إنجازه. تعبيرية جبر علوان ذات الصلة الوثيقة بالحياة الواقعية، تتشبع بمرونة جميلة في استخدام اللون، والتي يعمل بها الضوء على الإيحاء بتجسيم الأشكال وإعلاء قيمة التعبير فيها، فهي تنحو للتخلص من المفهوم، والتبسيط في الشكل، يساعد الفنان اللون الذي تزهو به الشخوص والسطوح الخلفية، وفي حالات أخرى يلاحظ المشاهد انطفاء هذه الألوان لتطغي عليها الألوان الرمادية، ذلك أن اللون بقيمته التعبيرية عند الفنان يتحدد بمساحات مختلفة الملامح والهيئات، يكاد يتساوى مع الوحدات التي يتناولها سطح اللوحة ومن مستويات مختلفة للتجربة. الدراسة الأكاديمية لهذا الفنان امتدت عدة سنوات، ابتدأها في معهد الفنون ببغداد وأكملها بسنوات عديدة في أكاديمية الفنون بروما( دراسة الرسم والنحت)، ومكنته من اكتساب مهارات أدائية مصحوبة بكثافة الممارسة التقنية لمعالجة سطح اللوحة وبالذات علاقة الضوء بالظل، والكتلة بالفراغ، وقد بنى كل هذا على حسيته بأهمية هارمونية اللون وتناقضاته، والتحوير في الشكل، إضافة إلى استلهام الصور المرئية للواقع وتأويلها إلى موضوعات جديرة بالرؤية، تبني نفسها بنفسها بعض الأحيان بقلق صوفي للإنسان العراقي يحاول تخطي الواقع ليستنبط عوالمه ومفرداته الخاصة. لقد أتاحت تجربته قدرا كبيرا من الشجاعة في التحرك في أحيان كثيرة بفطرة وسجية، وأحيانا بتلقائية، لأنه يرى بان المبالغات التقنية في حرفيات الرسم وما رافقها من تبريرات عند العديد من الفنانين العرب، هي ذات طابع أدبي غالبا ما تفتقر إلى الوضوح والرؤية الواعية، فهو يرى أن هذه الظاهرة قد تحجب عن الفن الكثير من أهدافه، فالفن لديه يعد إنجازا فرديا، ويتوجب على الفنان أن يكون ملما بالوسائل التي يستخدمها و يرتأيها. تعبيريته لا تتبع في مسيرتها العامة منهجا فنيا محددا تلتقي عنده جميع أعماله، إلا أن خبرته الطويلة ونضوجه قد أكدا انطباعيته ودفعاه لان يطورها منطقيا وبشكل منهجي، ليصبح أكثر اقتراب إلى أنبوب اللون والاعتماد على ضوء المرسم الاصطناعي الذي أتاح له عدم الخروج من مرسمه لمواجهة الطبيعة والناس، وهكذا أمحت الظلال والظلال المنقولة والأضواء الخافتة، واستأثرت باهتمامه الألوان الحارة المتبدلة دوما لتعطيه القوة التعبيرية لمساحات اللون الصافي ولتقودنا نحو الوقائع المهمة التي يريد إشراكنا بها. ولهذا أيضا استخدم اللون الصافي لتحديد المساحات اللونية المسطحة وتخلى عن المنظور الثلاثي الأبعاد، فأصبحت خطوط اللوحة تنفرج بدلا من أن تلتقي في نقطة مركزية واحدة، بل إنها تذهب في كل اتجاه معبرة عن عوالم الفنان الذي لا يرى موضوعه منطلقا من نقطة محددة وتبعا لتخطيط منظم. تمزقات جسد المرأة، وذلك الشكل الرمزي لشاعر محتضر، أو ذلك الموسيقي الذي أصبح جزء من آلته الموسيقية، او ذلك المتأمل العربي بحذره وكيانه الضخم الممتلئ بالرغبة، وصور المقاهي، والمهاجر.. الخ كل هذه الموضوعات عبارة عن محاكاة تعبر عن شعور كبير بمحبة الإنسانية، رسمها بألوان جنونية تذكرنا بكوابيس السرياليين، إذ أصبحت هذه الكوابيس بمثابة كوامن لا يمكن استئصالها من تفكيره، باعتباره فنانا يحاول على الدوام إخضاع بناء اللوحة لبرنامج قاسي وعبثي، مبتعدا عن النبرات، وهذا ما يجعل لوحته مثل الحقل التصويري الغير مشذب، إلا أنها زاهية تحركها الضربات اللونية المنفعلة المتحركة والخطوط المتموجة المتكسرة المعبرة عن حس داخلي عميق ولربما ألم نفسي( عراقي) ينعكس في جميع أعماله ونعتقد بان سبب ذلك يعود إلى رغبته في الإنجاز السريع، فهو لا يعود إلا نادرا لتصحيح او وضع بصمات لونية جديدة لأنه يعتقد بأنه ضد عملية ( التزيين) فقد اختار أن يكون إلى جانب أتباع مذهب العفوية والذي يفترض عدم تحديد الشكل ومراقبته الواعية والدقيقة. لقد تبنى جبر علوان في جميع أعماله أبجديات فنية يمكن قراءاتها بصورة لا تخلو من رضوخ، اكتسبت حضورا ذو دلالة من خلال أسلوبها التشخيصي، إلا أن هذه الأعمال التي يجتزئها من محيطها الإنساني، واستخدم فيها ضربات الريشة العريضة والسريعة، يحاول تمويهها وجعلها تتسم ببعض الغموض من اجل أن تكتسب معنى جماليا خاصا، لا يختصر على حالات الإدراك التي تؤثر على مشاعر اللذة والألم عند المتلقي، فهو يدرك بان المشاهد لأعماله يجد فيها بعض الجاذبية الجمالية، وقدرا من الارتياح الاثاري الفكري، وهو بهذا يؤكد على أن الفن يحمل صفات عاطفية تستمد قوتها من إثارة الانفعالات والتي لا تأتي إلا إذا انتزعت الأشياء من مواقعها وأشكالها المستقرة، لتتحول إلى مواقع وأشكال أخرى مختلفة ومغايرة، بل ومتضادة. ونرى في أعماله الأخيرة التي تقترب إلى الواقعية، لونية جديدة أكثر تألقا وصفاء، وبملاحظة للطبيعة البشرية أكثر دقة ونفاذا كما هو الحال مع مجموعته الأخيرة التي خصصها عن المقاهي التي أعاد بنائها بتلك العفوية والاحساسات المباشرة،وجعلها موضوعا حيويا يلامس حياة الناس في كل مكان، وقد جسد بها الانتقال السريع من الإدراك إلى الحركة التصويرية ليسجل وجوه الناس التي ترتسم على وجوههم تجزئة الضربات اللونية ومجاوراتها لبعضها البعض بحسب تآلفها، وبحيث يتم مزج الألوان بصريا، فالألوان في هذه المجموعة تتفاعل في ما بينها حتى في اصغر الأجزاء من مساحة لونية، فالقيمة اللونية هنا تتحدد قيمها بواسطة الضوء الذي تتلقاه، فهي ليست ثابتة، بل تتبدل مع تبدت الضوء نفسه.
جبر علوان: شخوصي مزيج من الوحدة والتأمل والترقب
التحليل باللون
ـ ثمة علاقة خاصة تربطك باللون، والذين يعرفون أعمالك يمكن ان يميزوا ويعرفوا لوحاتك عن بعد، ويقولوا: هذه ألوان جبر علوان، فكيف تشكلت وتطورت علاقتك بالألوان؟
ـ أنا درست النحت، ولكن اللون هيمن على مشاعري، واللون هو فلسفة تعبيرية بحد ذاتها، وأنا أحاول من خلال اللون تجسيد مفاهيم خاصة بي، فمن خلاله أستطيع التعبير عن الشكل الجمالي للإنسان، عن حالات الفرح او الوحدة، ومع الزمن تطور هذا اللون، فوصلت في أعمالي الجديدة من خلال اللون إلى مرحلة التحليل النفسي للشخوص المرسومين.
ـ هل لديك شروط مسبقة تتحكم باختيار الألوان في اللوحة الواحدة قبل او أثناء عملية الرسم؟
ـ عندما ارسم أكون في حالة تحرر من الشروط المسبقة، لأن الفنان هو مجموعة مكتسبات، وعليه أن يترك مساحة واسعة للاوعي. فاللوحة أحيانا تفرض شروطها، فيحدث لي أحيانا وأنا ارسم أن أغير الألوان أو الأشكال قبل انتهاء اللوحة.
ـ هل لاحظت او شعرت أن ممارستك الطويلة في الرسم، بلغتك الخاصة، تركت أثرا على حياتك الشخصية وعلاقتك ومشاعرك، مثلا؟
ـ أية عملية إبداعية صادقة تؤثر على كيان الإنسان المبدع، تهذب وتشذب الزوائد ويصبح الإنسان صغيرا أمام إبداعه. الفن يصقل السلوك، وإذا وجدنا بعض المبدعين التي تتضخم لديهم الأنا فهذه مشكلة، او حالة مرضية.
ـ عندما نحاول قراءة أعمال بعض الفنانين قد نحتاج إلى مفتاح أو لوحة مفاتيح خاصة، وهذا ما ينطبق على بيكاسو ودالي وجياكومتي مثلا، فما هي الفكرة الأولية التي تشكل مفتاحا يستخدمه المشاهد العادي لقراءة لوحاتك؟
ـ حاولت منذ البداية أن تكون لوحتي بسيطة، وخصائص اللوحة هي فن بصري، يخاطب العين مباشرة، واعتقد أن لوحتي تخاطب عيني أنا مباشرة، ولهذا فإنني اشعر بمتعة بصرية أثناء العمل، متعة سهلة ومقروءة لي، وحيث أنني بسيط أصلا، فأعتقد إنها سهلة لعين القارئ، ومع ذلك فان هناك أبعادا وخفايا لا يكتشفها المشاهد في القراءة الأولى، فهو يحتاج إلى التأمل، بعد المشاهدة الأولى، وهذا يمكن أن يكون المفتاح
ـ من خلال استعراض سريع لأعمالك القديمة والجديدة يمكن أن نكتشف انك تميل إلى اللوحة ذات الحجم الكبير، فما هو السر في ذلك؟
ـ أنا أفضل اللوحة الكبيرة لأنها تمنحني حرية واسعة في التعبير وتمنح نفسها حرية في الامتداد، فاللوحة الكبيرة كالبحر، يشبع خيالك وتصوراتك ورغباتك، بينما اللوحة الصغيرة كالنهر الصغير الذي يقيد الخيال ولا يدعو إلى مزيد من التأمل.
الاحتفال بالجسد البشري
في أعمالك احتفال بالجسد البشري وتمجيد لحركته وانطواءاته، وهذا الاحتفال يأخذ أشكالا من الأناقة والغزل، والحب الخفي الصامت، والإثارة الرفيعة، وسبق لك أن اشتركت مع سعدي يوسف في إصدار مجلد خاص بعنوان "ايروتيكا" يضم قصائد ورسوما خاصة بالجسد البشري وتجلياته، فماذا ترى في هذا الجسد، عادة؟
ـ إن الاهتمام بجماليات الجسد البشري يدخل في يوميات السلوك العادي، لدى الناس، ذكورا وإناثا، وفي كل مراحل حياتهم، ولكنه عند الفنانين والشعراء يأخذ أبعادا أخرى، فهو نبع دائم للإبداع.
ـ يمكن أن نقول إن للجسد البشري لغة خاصة به، وهذه اللغة يمكن اكتشافها في نبض الجسد الحي، او في إيقاعات الجسد المرسوم في لوحة، فكيف تفهم ذلك؟
ـ للجسد البشري رموزه ولغته، وبين المليارات من الناس لن نستطيع إيجاد جنسين متشابهين بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، في الشكل والحركة، والعضو الواحد في الجسد تتغير وظيفته، فاليد الواحدة لها آلاف الوظائف، ويمكن للفنان أن يميز بين حركات الأيدي المختلفة، فهذه يد نجار، وتلك يد موسيقي، وهما يختلفان عن يد المصارع، وهناك حركات العيون التي تمثل مرايا النفس البشرية، والأمثال الشعبية في اللغات المختلفة تحمل إلينا صورا لا تنتهي من معاني حركات الأعضاء البشرية، في حالاتها المختلفة. إن الطبيب يتعامل مع الجسد البشري بطريقة مختلفة عن الفنان، ويقرأ لغة الجسد من موقع الباحث عن الخلل في إيقاع الجسد، وهو يلتقي مع الفنان في بعض المسارات، لكن الفنان يحلل الجسد البشري، ويبدع منه حالات كثيرة، جمالية وتعبيرية، ونفسية. وإذا كنا كبشر نتعرض للاستغلال والاضطهاد في أجسادنا ونفوسنا، فلماذا لا نحرر أنفسنا في تعاملنا مع جماليات أجسادنا التي تشكل جزءا من جماليات الحياة على الأرض.
ـ تبدو العين البشرية في رحلتها اليومية في الزمن الراهن مرهقة بازدحام المرئيات المتحركة والثابتة والملونة، فما هو انعكاس هذه الحالة على علاقة العين البشرية باللوحة التشكيلية او النحت؟
ـ تعددت الفنون، بأنواعها وأساليبها بحكم التطور الطبيعي والقفزات التقنية، لكن بعض الفنون تظل متماسكة على الرغم من المزاحمة، وهكذا تستمر حركة الحياة والفن في إيقاعات متوازية، متعايشة بما فيها اللوحة والمنحوتة. حينما يضجر الإنسان في أوروبا من الزحام والضجيج يهرب إلى المتاحف، أو إلى أي نوع من الفن، وإذا لاحظنا أي نقص في اهتمام الناس بالفن فهذا لا يعني خراب العلاقة القديمة بين الإنسان والفن، وإنما بسبب تسارع الحياة اليومية والاحتياجات الإضافية للعمل والركض وراء المشاغل اليومية المتزايدة.
ـ أنت كفنان عربي تعيش في ايطاليا، كيف ينظر النقاد إلى تجربتك من حيث العلاقة المزدوجة بالشرق والغرب؟
ـ منذ البداية كانت تربيتي الفنية حديثة ومكتسبة، فقد درست الفن بشكل أكاديمي على أيدي أساتذة درسوا في أوروبا، وبعد أن انتقلت إلى ايطاليا منذ ثلاثين عاما صرت قريبا أكثر من مصادر الفن الحديث، وتعمقت تجربتي الفكرية والفنية معا، لكن هذا لا يمنع أن القول بأنني شرقي احمل شخصية مركبة من ثقافتين، فالقراء والنقاد في أوروبا يشيرون دائما إلى جذوري الشرقية، بينما القراء والنقاد العرب يشيرون إلى تأثري بالغرب.
كيف تنظر إلى الواقع الراهن للفن في أوروبا، كمشهد يمكن أن ينعكس على راهن الفن في العالم؟
ـ ليس هناك شكل واعد او نموذج من الفن الجديد يطرح في أوروبا، لكن هناك تنويعات كثيرة على الاتجاهات التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، فهناك الفن المفهومي (Conceptual Art) وفن التركيب (Installation) ودخلت إلى الفنون عناصر أخرى كالفيديو والفوتوغراف والكمبيوتر وكل وسائل التقنية والاتصال، ولكن كل هذه العناصر لا تلغي كلاسيكيات الفن كاللوحة والمنحوتة، وإنما تتعايش معها، بشرط وحيد هو انتسابها إلى الإبداع، فلا يطغى فن على فن آخر، وفي المعارض الكبيرة مثل بينالي فينيسيا يمكن أن نجد اللوحة إلى جانب أعمال مركبة أو فوتوغرافية، أو عرض فيديو، او نجد جسدا بشريا حيا او كائنا حيا بين العروض الأخرى.
ـ ماذا تعني لك ايطاليا، وما هي الخصوصية التي تربطك بها؟
ـ ايطاليا هي اقرب البلدان الأوروبية إلى روحي وروح الفنان الشرقي، كذلك فإن ايطاليا كانت ومازالت مزارا للفنانين العالميين، لأن لها سحرها الخاص، وكثيرون هم الذين استقروا فيها بعد زياراتهم الأولى إليها. كانت الحياة في روما سهلة بالنسبة إلي، بحكم تسامح الإيطاليين، وكانت روما تقدم لي غذاء فكريا وجماليا، فالمدينة ذاتها تشكل متحفا حيا كبيرا، في شوارعها ومعابدها ومتاحفها وساحاتها وطبيعتها المعمارية، وهي امتداد معاصر للتاريخ الحضاري. وفي ايطاليا طبيعة متنوعة وبيئة غنية، من البحر إلى السهل إلى الجبل، وفيها كثافة في تعداد الألوان، فهي تختصر ألوان الطبيعة، والشعب الإيطالي يملك ذائقة فنية عالية في كل وجوه حياته من الطبخ إلى اللبس إلى العمارة إلى الفن والحب.. فكيف لي، أو لأي فنان، إلا أحب ايطاليا؟!
ـ إن كل الشعوب التي تهتم بالثقافة والفنون تحاول أن تستلهم تراثها الثقافي والفني البعيد، ونحن ننتمي إلى حضارات قديمة كان لها دور كبير في تنمية الفنون، فما هو سبب انفصالنا عن هذا التراث القديم؟
ـ لدينا تاريخ حافل بالحضارات القديمة التي قدمت الأبجديات الأولى وأنواعا خالدة من الفنون، فيما بين الرافدين وبلاد الشام ومصر والجزيرة العربية، وبرزت بين وجوه هذه الحضارة، العمارة والنحت والرسم، ولكننا انفصلنا عن هذا التراث، في ظروف معتمة من التاريخ العربي، في عصر الانحطاط الذي دام قرونا، ويجب أن نعترف بأن العرب لم يكونوا متعصبين ضد الفنون، في كل مراحل حياتهم، وعلينا العمل لاستعادة علاقتنا الإبداعية والحياتية مع تراثنا الثقافي والإبداعي.
ـ كان الشرط الأول لموهبة الفنان هو التشريح، ولكن حركات التحديث في الفن أزالت هذا الحاجز، وطرحت بدائل مختلفة، فما هو البديل الراهن للشرط القديم: التشريح الأكاديمي؟
ـ كان الفنانون القدامى يهتمون بالشكل الخارجي وإتقان التشريح، ولكن قراءة الحالة النفسية بدأت في عصر النهضة، ومن خلال محاولة مايكل أنجلو إضافة وصف الحالة، مع التشريح المتقن. ففي تمثال «الرحمة» الذي يمثل العذراء والمسيح طفلا، جاء وجه العذراء اصغر من وجه طفلها تأكيدا لعذريتها. وبعد مايكل أنجلو دأبت التيارات الفنية المستحدثة على الخروج عن الشروط الأكاديمية، حتى صار التشريح شرطا منسيا، وصار الشرط الوحيد هو «بناء العمل الإبداعي».
ـ من خلال تجربتك الطويلة في عرض أعمالك في المدن الأوروبية والمدن العربية، كيف تنظر إلى نوع الاختلاف في قراءة أعمالك بين المشاهد الأوروبي والمشاهد العربي؟
ـ المشاهد الغربي يمتلك ثقافة تشكيلية لها جذور بعيدة، لذلك تأتي قراءته للوحة أعمق وأكثر تحليلا، من المشاهد العربي او الشرقي، لأن اللوحة فن جديد في الشرق، كما أن المعارض غير مألوفة في الماضي. في الغرب، الفن متاح للعين منذ الطفولة، في الشارع والبيت والمتحف والمدرسة والكنيسة، وهذا يساهم في تنمية الذائقة التشكيلية الفردية والعامة. والذائقة التشكيلية أيضا مرتبطة ببقية الفنون، كالعمارة والموسيقى، والنحت، والسينما. ومع ذلك فإن المشاهد العربي حقق خطوات ناجحة في الاقتراب من قراءة العمل الفني وتذوقه. إن ثقافتنا العربية تعتمد على الكلمة، وعدد كبير من الفنانين التشكيليين العرب نقل الكلمة إلى اللوحة تحت تأثير هذه الحالة.
ـ من خلال متابعة قراءة أعمالك يمكن أن نلاحظ غياب بعض التفاصيل في الشخصيات التي ترسمها. لماذا؟
ـ عندما ارسم جسد الإنسان بشكل عام أحاول أن الغي كثيرا من التفاصيل البسيطة لضرورة العمل الفني، كالعيون وغيرها، وأركز على بعض التفاصيل الأخرى كالأيدي أو حركة الوجه تبعا للموضوع الذي أريد التأكيد عليه.
في شخوصك مسحة خفية من الحزن او الحنين إلى شيء ما، فما هو سر هذا الحزن، وما هو مصدره؟
ـ أنا لست مع الحنين بشكل عام، أنا مع الذاكرة، فالحنين مزور لأنه يعطي صورة جميلة لكل الماضي، أما الذاكرة فيدخل العقل في ترسيمها، او صياغتها. إن حنينك إلى مكان أليف كنت تحبه في طفولتك يحجب عنك كل ما هو سلبي في ذلك المكان، مثلا، أما الذاكرة فإنها تعطيك كل التنويعات الايجابية والسلبية في ذلك المكان. في شخوصي أجد الوحدة والتأمل والترقب لشيء ما.. سيحدث، او قد يحدث شيء آخر، مختلف عنه تماما.
لماذا الوحدة؟
ـ هي حالة اغتراب عام، اغتراب مع الهم، انفصال عن الواقع والحاضر، وهذه نتيجة لقسوة الحياة التي نعيشها، وهيمنة التقنية والانحسار الاقتصادي.
|
|
|
|