
نحيف ,ناعم , وسيم , خجول في أول لقاء ومشكلة بعد التعارف والميانات , لايمكنك ان تفلت من ملاحظاته , ماذا بعد ؟ مبدع بشكل باهر , مجدد للكاريكاتير العراقي وصاحب لمسة الحداثة فيه . كان اول ظهوره للناس من خلال مجلة مجلتي وجريدة المزمار المختصتين برسوم الأطفال , ثم دخل معترك الصراع السياسي وأختار جريدة ( طريق الشعب ) كموقع والشيوعية كطريق ,وبدأت معركته ضد التخلف والبيروقراطية والفساد الإداري والمحسوبيات , وساهم في فضح الرجعيات العربية والأوربية ونالت منه أمريكا ما لم تنله من رسام عربي معاصر بإستثناء الفنان الفلسطيني النادر وأبن عين الحلوة الراحل ناجي العلي .
خطوطه جريئة حادة قوية معبرة , افكاره نابته وفي الصميم وبنت الساعة .
كانت المرأة العراقية قد أكتسبت في رسومه نكهة أخرى بعد ان أدهشنا بها سابقا عبقري الكاركاتير العراقي الرسام غازي , فمثلها وهي في الجامعة او مكتب العمل أو في البيت كزوجة وفي الحقل كعاملة سليطة اللسان ومتسلطة أما الرجل فقد قدمه مؤيد بكل تعقيداته ومشاكله التي لاتنتهي ومن مختلف المراتب والدرجات .
ما أجمل جلساته التي لاينقطع فيها الهزل والنصبات والتعليقات اللاذعة , وفي مجلتي مع وجود المبدع الرائع طالب مكي بقفشاته التي لايفهمها إلا القليل والفنان صلاح جياد الذي يبدأ النصبة مع احدهم عادة حتى تلتهب غرفة الرسامين ضحكا وترتج جدرانها ولاتستقر حتى يطل رئيس التحرير متوسلا بنا إلتزام الهدوء لأن معه ضيوف عمل من الوزارة وبعد دقائق ينطلق مؤيد بعبارة طالب مكي الشهير : "هاي شنو ملافتهمنا " مقلدا إياه بدقة لتعود الضحكات مجددا . فيؤكدها طالب مكي بعبارة له شهيرة أيضا : معلوم العسكرية , او ثمانية وثلث كرمز لشوارب " الرفاق الحلفاء " آنذاك .
لم تكن مجلة مجلتي رغم ما كان النظام يخطط لها من توجهات , إلا مختبرا للمواهب العراقية الهامة في الرسم العراقي الساخر الحديث , حيث ضمت المبدع اللامع بسام فرج ,الجسر الذي ربط تقاليد الرسم العراقي الساخر المتمثلة بأعمال الرسام غازي و تطلعات الوضع الجمهوري حيث كان بسام افضل ممثل لها بعد الرسام غازي الذي يمكن اعتباره إبن المرحلة الليبرالية التي دشنها النظام الملكي من خلال مشاريع الأعمار التي اعلن عنها آنذاك والتي أجهضت من قبل الأحزاب السياسية التى أستلمت مقاليد الأمور في العهد الجمهوري ذو السحنات الحزبية الضيقة و العسكرية المتخلفة المقيتة ,وكان الفنان والمبدع البارز طالب مكي عمودا من أعمدة الرسم في المجلات العراقية وخاصة مجلة العاملون بالنفط , اما صلاح فقد انطلق من مجلة أليف باء بقوة أهلته إمكاياته الفنية ان يصبح أهم رسام وأبرز مبدع في هذا المجال , ومن يتصفح أليف باء السبعينات سيجد برهان هذا الكلام . و الفنان القدير وليد شيت لايقل موهبة ولا حماسة عن الآخرين إ ضافة الى الفنان الموهوب عصام الجبوري والذي ابدع في رسوم الشخصيات الصغيرة في مجلتي والتي أحبها الأطفال العراقيون وتعلقوا بها ثم مجموعة رائعة من المبدعين الشباب الذي كان مؤيد أبرزهم منذ البداية والذي لايمكن عزله عن صديق عمره وزميله في الدراسة والعمل والنصبات كذلك الفنان سعدي الموسوي الذي كان يطلق النكات ويحرك المشهد الساخر دون ان يظهر عليه الجرم المشهود, والزميل جمال العتابي داخلا وهو يهمس قائلا : - " شلون الوذع ؟ " – يقصد الوضع – بإبتسامته الماكرة . آه ماأجمل تلك الأيام . لقد كانت مجلتي عشا للملائكة الأرضيين ولكنها لم تكن تخلو من الأبالسة ايضا .
ان مؤيد والزملاء الآخرين قد شقوا طريقا جديدا لرسوم المجلات العراقية لم يكن متكئا على المدرسة المصرية مثلا او العربية عموما ولا حتى الأوربية , هناك شيء جديد كل الجدة , انه الهوية العراقية في الرسم , حتى الساخر منه , فإ حساس الرسام العراقي بقلة الأمكانيات والفرص جعله يضاعف الجهد ويختصر الوقت ليقدم عملا فنيا متكاملا ومنذ البداية , فنحن لانجد في رسوم معظم من مارس هذا الفن ما يعرف بالهواية او البداية , كان ناضجا من اول رسمة وبدرجة عالية من الإتقان , أدهش أصحاب الخبرات من الفنانين العرب .
كان مؤيد نعمة أول فنان عراقي يتجه الى البورتريت الفخاري في فن السيراميك عندنا وقد أبدع فيه ومن أهم أعماله في هذا بورتريت الفنانين الراحلين إسماعيل الشيخلي , كاظم حيدر وفائق حسن , وبذلك فتح لهذا الفن نافذة لم تكن مطروقة سابقا عندنا إلا نادرا .
بعد سفري لم يجري بيننا أي إتصال لكني قبل أكثر من ثلاث سنوات عرفت أنه يقيم في الأردن وكنت وقتها في برلين بمناسبة إقامة معرض مع الأصدقاء علي المندلاوي ومنصور البكري فتحدثت معه وجرى بيننا كلام جميل لكني أحسست وقتها أن مؤيد قدبدا لي أكثر هدوءا ووقارا مما كنت أتصوره وإنتهى حديثنا على أمل اللقاء في مكان ما , فلم يكن في بالنا أن صدام ستقلعه أمريكا بنفس السهولة التي أتت به , وليس الحركة الوطنية العراقية العتيدة التي كنا نعول عليها , وهذا أيضا بعيد المنال آنذاك .
بعد انهيار نظام صدام حسين الدموي عاد الفنان مؤيد نعمة من الأردن ليعمل مجددا في جريدة ( طريق الشعب ) ومن ثم جريدة ( المدى ) ليطالع القراء ومحبيه بما تجود به القريحة وما اغناها , فكرس ريشته النقدية لفضح كل ما له علاقة بالتخلف والقمع والأرهاب وليقف وهو واعيا لمخاطر مواقفه هذه امام جبروت الذين يريدون إعادة عجلة التأريخ الى الخلف قرونا عديدة ودفع العراقي الى كهوف الظلام والعبودية والضغينة , وكأن ما جرى لنا لايكفي .
ماذا أقول بعد ؟
انه نجم آخر هوى أمامنا لكنه علمنا التحدي وهو النحيل البنية.
علمنا المثابرة والجدية والأصرار وهو الساخر المتحدي لكل صرامات الواقع المر .
لقد هدني مكتوب الفنان الصديق كفاح الريفي هذا الصباح معلنا وفاة مبدع وصديق ومناضل آخر من مناضلي تلك الكوكبة من المبدعين الذين لم تضعفهم أقوى الفاشيات في النصف الثاني من القرن العشرين ولم ينحنوا للطغاة من كل الأصناف وساروا في طريق يقينهم الذي أرتضوه وصمدوا امام أعتى العواصف والمنعطفات التأريخية الكبرى التي مرت على العراق والمنطقة , لايملكون غير قناعاتهم وصدق القلب واللسان والنية ونظافة اليد ومحبة شعبنا .
ستبقى حكمة التاريخ التي لامثيل لها برهانا على ما أقول يامؤيد ياصديقي ومعلمي أشياء لاتمحى .
29/ 11/ 2005