|
حزب الدعوة ورحلة الانقسامات
19/06/2008
خلود رمزي
حينما أسس السيد محمد باقر الصدر الذي يلقبه العراقيون بـ "الصدر الاول" حزب الدعوة الاسلامية عام 1957 كان يهدف الى ايجاد نوع من التوازن مع الافكار الشيوعية والعلمانية والقومية السائدة في العراق آنذاك . فضلا عن رغبته في ادخال الشباب الشيعة مجال العمل الاسلامي الحركي الذي كان يسيطر عليه آنذاك "جماعة الإخوان المسلمين" (السنية) الذين بدءوا العمل منذ أواسط الأربعينيات على يد الشيخ محمد محمود الصواف. وكان شباب الشيعة قبل تأسيس الدعوة متعطشين للعمل الإسلامي الحركي لدرجة أن بعضهم انضم لفرع حزب التحرير الإسلامي (السني) في العراق ثم عاد لينقل نشاطه الى البديل الشيعي بعد تأسيسه. أما الصدر فكان يتطلع من خلال تأسيس هذا الحزب إلى تبني مشروع سياسي ديني يتناسب مع الفكر الشيعي الذي يحمله الحزب، وكان يقول في البداية بنظرية (الشورى) الاسلامية في الحكم، وقد اتهم لذلك من قبل رجال الحوزة بتأثره بالفكر السياسي السنّي الذي يتبنى هذه النظرية القائمة على التشاور بين علماء الأمة لاختيار الحاكم . نتيجة لهذه الاتهامات، وللانبهار الذي أحدثه انتصار الثورة الإيرانية خرج الصدر بنظرية جديدة هي نظرية سماها (الخلافة والشهادة) التي هي مزيج من (الشورى) السنية ونظرية (ولاية الفقيه) الخمينية. أي أن الصدر لم يتبنى يوما ما نظرية (ولاية الفقيه العامة المطلقة) التي طبقها الخميني بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران. وبقيت مسألة (ولاية الفقيه) مصدرا للجدل والتنازع داخل أروقة الحزب. وكانت سببا رئيسا في انفصال الشيخ كاظم الحائري احد أهم أقطاب الدعوة بمجموعته بعدما تبنى تلك النظرية في صيغتها الخمينية. حركة الانقسامات شهد حزب الدعوة انقسامات عديدة منذ بداية تأسيسه وكانت أولى بذور الانقسام في أواخر الستينيات، عندما انشق أحد مؤسسيه ويدعى سامي البدري وأسس تنظيما جديدا أطلق عليه تسمية (جند الإمام)، متهما قيادة حزب الدعوة بعدم الاهتمام بالشعائر الشيعية. لكن هذا التنظيم تلاشى لاحقا ويعيش زعيمه مستقلا عن الأحزاب في مدينة الكرادة وسط بغداد في الوقت الحالي. ثم حدث انقسام ثان بعد مؤتمر القواعد الذي انعقد في عام 1979 . وبعد استلام صدام حسين للسلطة في العراق قام باعدام مجموعة من كوادر الحزب ثم حظره بشكل كامل في عام 1980 واعدم مؤسسه السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى. في الاول من نيسان/أبريل 1980من العام ذاته قام الحزب بمحاولة اغتيال فاشلة استهدفت وزير الخارجية العراقي السابق طارق عزيز، كما قام بمحاولة فاشلة اخرى في 8 حزيران/يوليو 1982 لاغتيال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وهي القضية التي تم على أساسها تقديم صدام الى المحاكمة حيث حكمت فيها المحكمة الجنائية العليا بإعدامه بعدما أدانته بإعدام أكثر من 148 قرويا في بلدة الدجيل عقب فشل محاولة اغتياله. ودخل الحزب مرحلة انشقاقات جديدة بعد لجوئه الى إيران حيث حصل انشقاق بعد "مؤتمر الإمام المهدي" الذي انعقد عام 1980 ، تلاه انشقاق مجموعة اخرى بقيادة الشيخ علي الكوراني والشيخ مهدي الآصفي والشيخ كاظم الحائري. وأفرزت تلك المرحلة في نهاية المطاف عن تشكيل خمس مجموعات تعمل تحت اسم "الدعوة" . أما في الوقت الحالي فأن غالبية تلك الحركات ذابت في أحزاب وتيارات إسلامية وعلمانية جديدة وتفكك بعضها بشكل نهائي ولم يبق منها سوى ثلاث تنظيمات هي حزب الدعوة الحاكم بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي ويملك 12 مقعدا في البرلمان وحزب الدعوة تنظيم العراق وأشهر قادته عبد الكريم العنزي وزير الأمن الوطني السابق وخضير الخزاعي وزير التربية الحالي ويملك 13 مقعدا في البرلمان وحركة الدعوة الإسلامية التي كان يتزعمها رئيس مجلس الحكم السابق عزالدين سليم، وبعد اغتياله تزعمها محمد الغلاوي (رئيس مجلس محافظة البصرة في الوقت الحالي) وتضم هذه الحركة غالبية أعضاء حزب الدعوة من أهالي البصرة ولا تملك سوى ثلاثة مقاعد برلمانية. ويبرر المراقبون لمسيرة الحزب هذه الانشقاقات بالمواقف السلبية للمعممين الذين دخلوا ضمن كوادر الحزب لكنهم ترددوا لاحقا في البقاء فيه بسبب طموحهم لنيل لقب المرجعية (أية الله العظمى) وهو لقب يفرض عليهم توسيع دائرة مقلديهم وعدم الارتباط بحزب معين. ومن هذه الشخصيات الكبيرة، محمد مهدي الحكيم، محمد باقر الحكيم، كاظم الحائري، مهدي الآصفي، مرتضى العسكري، علي الكوراني، محمد حسين فضل الله (المرجع اللبناني الكبير)، ومحمد مهدي شمس الدين (أصبح لاحقا رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان)، واصبح بعض هذه الشخصيات يحمل لقب المرجعية (آية الله العظمى). وتلتقي فصائل الدعوة في الكثير من الخطوط العامة ، لكنهم يختلفون في نقاط منها الموقف من الديمقراطية وولاية الفقيه ومسألة الانفتاح السياسي على القوى العلمانية والدول الأجنبية. ويصنف حزب الدعوة زمانيا بأنه من الأحزاب القديمة أما سياسيا فيصنف ضمن الأحزاب الإسلامية. بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في التاسع من ابريل عام 2003 فتح الحزب أول مكتب له في مدينة الكوفة بتاريخ 13 نيسان (أبريل) عام 2003. ثم اتخذ من محافظة ذي قار مقرا لنشاطاته ، وشارك في جميع العمليات السياسية في العراق ودخل عدد من أعضائه مجلس الحكم أولهم إبراهيم الجعفري وعز الدين سليم الذي تم اغتياله بسيارة مفخخة استهدفت موكبه في منطقة القادسية. تولى الجعفري رئاسة الحكومة الانتقالية بعد حل المجلس، وبعد إجراء الانتخابات النيابية الثانية واجه الجعفري اعتراضات سياسية واسعة من قبل كتلة الأكراد والأطراف السنية فاضطر إلى التنحي عن الترشيح وتم استبداله برئيس الوزراء الحالي نوري المالكي. وبعد عام من تولي المالكي لمنصبه عقد مؤتمر للحزب (في نهاية نيسان أبريل 2007) تم فيه تعديل النظام الداخلي واستحداث منصب الامين العام، وبهذا صار نوري المالكي اول أمين عام للحزب منذ عام 1957 . ما عنى أيضا تنحية الجعفري عن الزعامة ، الامر الذي دفعه إلى التفكير جديا بالانفصال عن الدعوة. قبل أيام حصل انشقاق جديد في الحزب حينما أعلن الزعيم السابق تشكيل حركة سياسية جديدة أطلق عليها تسمية (تيار الإصلاح الوطني)، وقال الجعفري انه يهدف من تشكيل التيار إلى "نبذ الطائفية والمحاصصة ومحاربة المليشيات"، وهو يسعى في انشقاقه إلى اشراك شخصيات سنية وأخرى علمانية من مختلف الكتل والأحزاب السياسية لخوض الانتخابات القادمة. لكن الجعفري ما أن أعلن عن حركته حتى عمد إلى تحويل كل مكاتب حزب الدعوة التي تدين بالولاء له لصالح الحركه الجديدة ، فتمكن مناصروه من الاستيلاء على مراكز الحزب في مدن عديدة أبرزها النجف، وقاموا بتعليق صور قائدهم على جدران المكاتب ولم تتضح لحد الأن خريطة التحالفات الجديدة التي سيبنيها الجعفري تحت لواء (تيار الإصلاح الوطني). يملك حزب الدعوة ميليشيات صغيرة يصل عددها إلى 2500 مقاتل كانت تحمل تسمية قوات الشهيد الصدر، وبعد توقيع الأحزاب العراقية التسعة الرئيسة الأعضاء في مجلس الحكم على قرار رقم 91 في عام 2004 الذي يقضي بحل الميليشيات وضمها إلى القوات النظامية تم تحويل هذه الميليشيات إلى قوات حماية لمقرات الحزب وكبار قادته. كما يملك مجموعة من وسائل الإعلام التي تعبر عن رأيه أهمها قناتي الآفاق (تابعة للمالكي) والمسار(تابعة للجعفري) الفضائيتين وصحيفتي البيان والدعوة اليوميتين. ولا يكشف حزب الدعوة شأنه شأن باقي الأحزاب العراقية عن مصدر تمويله لكنه يؤكد التزامه بما جاء في قانون الأحزاب والكيانات السياسية رقم 92 الذي أصدرته المفوضية العليا للانتخابات في العراق والذي ورد في القسم الرابع منه عدم جواز تمويل أي كيان سياسي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل أية قوة مسلحة أو ميليشيا أو وحدة عسكرية متبقية.
نقاش - (بغداد) – 16/6/2008
|
|
|
|