|
توظيف المثل الشعبي في الفساد الإداري القسم الثاني - ابمستلوجيا المثل الشعبي
16/06/2008
كامل داود
لقد اختلفت تعاريف المثل ولكنها لاتبتعد عن تعريفه بكلمة مشتقّة من مِثل، أي شِبه، و المِثْل والمَثَل: الشبه أو النظير و يذكر المبرّد في كتابة الكامل أنّ المثل مأخوذ من المثال وهو قول سائر يُشبَّه به حال الثاني بالأوّل؛ فالأصل فيه التشبيه:فقولهم "مثُل بين يديه" إذا انتصب ومعناه أشبه الصورة المنتصبة، و"فلان أمثل من فلان" أي: أشبه بما له من الفضل فحقيقية المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأوّل، اما ابن رشيق(ت 463 هـ) فيعرفه بالعمدة (إنما معنى المثل المثال الذي يحذى عليه، كأنه جعله مقياساً لغيره، 0000في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه،).وفي جمهرة الامثال لابي هلال العسكري(ت ) يبين لنا ان اصل صيغة ضرب المثل جعله يسير في البلاد؛ من قولك: ضرب في الأرض؛ إذا سار فيها، ومنه سمي المضارب مضارباً. ويقولون: الأمثال تحكى؛ يعنون بذلك أنها تضرب على ما جاءت عن العرب، ولا تغير صيغتها، فتقول للرجل: الصيف ضيعت اللبن، فتكسر التاء؛ لأنها حكاية.فكلمات المثل ثابتة عند استخدام المثل من حيث الجنس أو العدد او اي محدد اخر وينطق المثل حرفيا مثلما قيل أول مرة كما سلف في المثل (الصيف ضيعتِ اللبن ) . وفي نهاية الإرب ينقل لنا النويري (ت) قول إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربع لا تجتمع في غيره من الكلام. إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة. والواقع ان توصيف ابراهيم النظام يبين دقة الفكر المعتزلي في تعريف جوهر المثل وعرضه . وكذلك قيل في المثل : إنه عبارة موجزة أو حكمة متداولة بين الناس، أوعبارة كثيرة الذيوع من القديم تتضمن فكرة حكيمة أو ملاحظة عامة في مجال الحياة البشرية وتقلباتها، وغالبا ما تكون بأسلوب مجازي يستميل الخيال ويسهل حفظه وقال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث. وفي العقد الفريدي قول ابن عبد ربة(ت328هـ)الأمثال التي هي وَشيُ الكلام، وجوهر اللفظ،وحَلْى المعاني،فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يَسِرْ شيءٌ مَسِيرَها، ولا عَمَّ عُمومَها،حتى قيل: أسير من مثل. "وقال الشاعر": ما أنتَ إلا مَثَلٌ سائرُ يَعْرفه الجاهلُ والخابرُ وبالرغم من وجود كل هذا الكم الهائل و المتوفر بين ايدينا من الأمثال فأن من الصعب تحديد الفترة الزمنية التي عرف بها الإنسان صياغتها وإطلاقها ولم يغني من الأمر كونها عبارات موجزة مأثورة يُشبِّه الناس بها جديد أحوالهم بقديمها فمتى كان هذا القدم ؟ لا يعرف الباحثون تاريخ محدد لنشأت الأمثال وكل الذي يعرف عنها انها فقط قد رافقت اللغة وصيرورتها حيث ان اللغة هي وعاء المثل ووسيلة نقله وتداوله من جيل إلى جيل سواء عن طريق المشافهة أو التدوين وقد استمرت بعض الامثال بالتداول لاكثر من سبعة الاف سنة فيقول الدكتور إحسان عباس في كتابه ملامح يونانية في الأدب العربي ان قصة الحيوان الذي ذهب يطلب قرنين فعاد مجدوع الأذنين: هذا الحيوان في الأمثال والخرافات السومرية هو الثعلب ، وفي الأمثال العبرية هو الجمل ، أما في الأمثال العربية فيقال إنه الحمار ولكن الأشهر أنه الظليم (أو النعامة)، وقد جرى المثل العربي على إسقاط اسم الحيوان المقصود فأصبح المثل الشعبي ( يريد له كرون كصوا اذانه) وقد يكون انحدار هذا المثل إلى اللغة الإنكليزية من اللغات القديمة، فلا شك إن التراث الانساني هو تراث مشترك الانتاج والمحاكاة، ان نص المثل المذكور باللغة الانكليزية The camel going to seek horens lost his ear فالمثل متطابق باللغتين ولسنا بصدد دراسة تاريخية مقارنة للامثال ولكن البحث يقودنا الى ان الشعراء الجاهليين فقد سجلوا الكثير من الأمثال في قصائدهم كانت فيه الفصحى هي اللغة التي يتداولها الناس في التخاطب اليومي ، ولذلك نرى وجود قسم من امثالنا الشعبية لها اصول نصوص بالفصحى ،وقد اقتبست منها امثال أخرى بلهجة عامية عراقية أو لهجات عامية عربية اخرى لنفس الامثال ، كذلك ان الشعراء الجاهليون قد ضمنوا الكثير من الامثال واستثمروها بما تحمل من الحكمة والاتقاد و إضفائها الرصانة والجمال على اشعارهم كقولهم : اذا قالت حذام فصدقوها فأن القول ما قالت حذام وهنا تضمين للمثل ( ان القول ما قالت حذام) وهو من امثال العرب المعروفة في العصر الجاهلي وكذلك قول الشاعر المخضرم كعب بن زهير : كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيد عرقوب إلا الأباطيل ولم يكن اهتمام الاقدمين محصورا بهذا الجانب بل أنهم توسعوا بالأمثال جمعا وتبويبا وشرحا مقارنا وافردوا لها المؤلفات والتصانيف الجليلة منها: كتاب (الأمثال) للمفضل الضبي (ت 168هـ) وهو أقدم مجموعة وصلتنا للأمثال وكذلك كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام(ت224 هـ ) و جمهرة الامثال لابي هلال العسكري ( ت 395هـ)و مجمع الامثال- للميداني( ت518 هـ) الذي رجع بتأليفه الى اكثر من خمسين كتاب بالامثال وكذلك (المستقصى في أمثال العرب) للزمخشري(ت538 هـ) و يقال انه ندم على تأليفه بعد ان اطلع على كتاب الميداني وهو معاصره فقد كان مجمع الامثال للميداني بحق غاية بالمحتوى والموسوعية ودقة التنظيم.ولم تغفل أمثال العامة عن التدوين فقد خصص لها الابشيهي (ت852هـ) بابا كاملا من كتابه المستطرف في كل فن مستظرف. ومع تشكل اللهجات التي تحولت الى لغات عامية او شعبية،وهذه سنة طبيعية لأن اللغة قريبة الشبه من الكائن الحي الذي يكون عرضة للتغيير، ولدت أمثال جديدة من رحم الظروف والتجارب التي خاضها الإنسان فضلا عن الأمثال التي انحدرت من اللغة الفصحى بعد إن اقتبست وأصابها كثير من التحريف والتصحيف والتعديل ولكنها حافظت على روح المثل والغاية التي قيل من اجلها .فحينما ننظر الى المثل الفصيح ( سمنكم اريق في اديمكم ) نكتشف بسهولة علاقته بالمثل الشعبي العراقي (مركتنا على زياكنا ) ليس هذا فحسب بل ان شعراء العامية لم يفوتهم ما دأب عليه اسلافهم شعراء الفصحى في تضمين الامثال كقول الحاج زاير الدويج مضمنا المثل الشعبي ( من قلة الخيل شدوا عل الجلاب سروج ) في هذا الموال (الزهيري ): دار الملوك اظلمت عكب الضيا بسروج وتميت اكت الدمع اعله الوجن بسروج واخيل لمن تردت واضلت بســروج والكدش اصبح لها عزم شديـد وباس والزين دنك على جف الزنيـم اوبا س والشهم لوعاشر الانـذال ما هوباس من جلة الخيل شدوا عل جلاب سروج او تضمين الشاعر نفسه للمثل القائل ( واحد شايل لحيته وواحد متعاجز منها ): رماني بسهم لا جدم ولا خر بدليلي ولا دفك دمعي ولا خر واحد شايل لحيته ولا خر يكله شمثكل لحيتك عليه (يليه القسم الثالث)
|
|
|
|