20/07/2008
موانئ وموانع - المانع التاسع : خلايا سرطانية مينائية
27/06/2008
كاظم فنجان الحمامي
كانت الموانئ العراقية أولى المراكز التجارية التي أقامها الإنسان على شواطئ كوكب الأرض. وانطلق منها نحو بحار الله الواسعة.. موانئ تألقت في فضاء التجارة البحرية الدولية . وحفرت اسمها في ذاكرة التاريخ. وتسلقت سلم المجد حتى تفوقت على أشهر الموانئ العالمية.. فهي الرئة البحرية الوحيدة التي يتنفس منها العراق, والنافذة الملاحية اليتيمة, التي يطل من خلالها على الخليج العربي.. ثم تدهورت أحوالها ومزقتها أنياب الحروب , وخنقتها رياح الحصار , واغتالتها خناجر الجهل والتخلف...
لكنها لم تمت, ولن تفقد الأمل في استعادة مكانتها الدولية المرموقة بجهود المبدعين من أبناء الرافدين, على الرغم من كل الموانع التي تقف في طريقها. وهذه قصة إحدى هذه الموانع التي ليس لها وجود في الموانئ العالمية الأخرى. .
فقد انفردت الموانئ العراقية بمشكلة غريبة , قلما تجد لها مثيل في الموانئ الأخرى .. فقد نمت في أحشائها كيانات حكومية لا تنتمي إلى وزارة النقل, ولا تنتمي إلى الأسرة البحرية العراقية.. كيانات تعتاش على جسم الموانئ , كما تعتاش الكائنات الطفيلية على جسم الكائن المضيف .. فهي غير معنية بتطوير موانئنا وتحسين صورتها . . وغير معنية بتقديم أي دعم, أو إسناد, أو مساعدة, أو مؤازرة. . ولا شان لها بتوفير مستلزمات النهوض والارتقاء بالموانئ. . لكنها استوطنت في جوف الموانئ, وراحت تنهش في بدنها منذ زمن بعيد.... وما زالت تتسابق فيما بينها نحو تحقيق المزيد من الموارد والمكاسب المالية على حساب مستقبل موانئنا وسمعتها..
فهدفها الاستراتيجي الذي تسعى إليه , هو جباية وتحصيل الأموال من التاجر , أو المستورد , أو المصدّر . ولا هم لها سوى فرض الرسوم والغرامات, ومن دون أن يكون لديها أي غطاء شرعي...وتكاثرت هذه الكيانات الطفيلية حتى وصل الأمر إلى ظهور أنواع جديدة متخصصة بعرقلة الإجراءات المينائية بذرائع وحجج واهية ..ولتلك الكيانات مرجعيات إدارية قوية مرتبطة بوزارات كبيرة , مثل وزارة التجارة , والصناعة , والزراعة , والمالية , والصحة , والنفط.....الخ . وتحظى بدعمها ورعايتها , لكنها غير مستعدة للوقوف إلى جانب الموانئ العراقية , أو مد يد العون لها... وربما تتقاطع رغباتها ومصالحها مع بعضها البعض . فتتنازع وتتصارع في الانقضاض على سفينة (فريسة) معينة . بدعوى تطبيق التعليمات النافذة .. مثال على ذلك نذكر , أن مادة التمور المصدّرة عبر الموانئ العراقية تخضع لإجراءات كل من مكتب شركة التمور العراقية في الميناء , وهو تابع إلى وزارة التجارة. وتخضع لإجراءات وحدة الحجر الزراعي التابعة إلى وزارة الزراعة . وتخضع أيضا لإجراءات وحدة فحص المواد الغذائية التابعة إلى وزارة الصحة. وجميع تلك الإجراءات تستلزم قيام التاجر بدفع المبالغ المالية المترتبة على تصدير التمور. وهذا مجرد مثال بسيط لفاتورة المدفوعات الإضافية. وبالتالي فان جميع الممارسات الخاطئة تنعكس دوماً على أداء الموانئ العراقية , وتترك آثارها السلبية عليها...
وتراكمت تلك الآثار حتى تحولت إلى موانع , وخلايا سرطانية تنتظر الاجتثاث والاستئصال. . فقد انتشرت تلك الخلايا السرطانية في جسم موانئنا , وحالت دون تحقيق أهدافها النبيلة الرامية إلى الارتقاء بها نحو الأفضل...
ثم جاءت الهيئة العامة للضرائب لتتخذ لها موطأ قدم في الموانئ, وتنصب شراكها هناك بذريعة المحاسبة الضريبية على السلع المستوردة عن طريق البحر قبل وصولها إلى الأسواق المحلية. .
وهناك كيانات أخرى مازالت متمسكة برسومها المالية المتحجرة منذ عشرات السنين, ومن دون أن تبدي أية مرونة أو ليونة في تخفيفها وتبسيطها وتذليلها. وصار التشدد في التعامل مع التاجر العراقي..... وللحديث بقية
© 2005 - 2007 Iraq of tomorrow all rights reserved