|
مع ليث الصندوق وحكايات الجراح والغربة
27/03/2008
الدكتور وليد سعيد البياتي
الحكاية الاولى: صوته عبر اسلاك الهاتف " جيتك اختل الويه (الوجه) خايف يعرفوني ، همه (هم) انطروا (انتظروا) غيبتك حته (حتى) يعذبوني، ضنيتك (ضننت) انته (انت) الوفي تالي (لكن) اطلعت ( ظهر انك) دوني ... " . هذه كانت افتتاحية ليث الصندوق في مكالماته لي واذكر مرة ان والدي رحمة الله عليه رفع الهاتف وتلقاه ليث بهذه المقدمة وكان الوالد يعرف ليث لصداقته وزمالته لوالده فناداني لارد على صديقى المشاغب فكان ردي من نفس الدسامة مستعملا ابياتا لليث نفسه اقول فيها: " هم آنه ارد اعشك (اعشق) واحب مالكيت (لم اجد) غيرك ياترف (يا جميل) ليوثي (مصغر ليث) يا أول هوى (يا اول حب) خايف لتطلع ... " . كانت هذه المناكفات ما هي ألا دعوة للقاء، فكنا ليث الصندوق وسعد عباس مصطفى (الفيلي) وقاسم وأنا. نلتقي في الصالحية ونجتاز الجسر (جسر الصرافية) الى شارع الرشيد منطقة (حافظ القاضي) ثم نتجه يسارا باتجاه الباب الشرقي لنمر على كل المكتبات على الطريق وقد نلتقي استاذنا الشاعر الكبير المرحوم عبد الوهاب البياتي (ابو علي) في احدى هذه المكتبات، وقد تستمر مسيرتنا لزيارة كاليريهات الفنون في شارع السعدون او نستمر باتجاه اتحاد الادباء، وبعد وفاة قاسم المفاجأة بقي الثلاثي يلتقي رغم الهموم والمشاغل، فكنا كذلك حتى بداية الحرب العراقية الايرانية والى فترة اعتقالي من قبل النظام الصدامي.
الحكاية الثانية:
لايمكن تحديد علاقتنا الثلاثية وخاصة علاقتي بصديقي الشاعر الرقيق ليث الصندوق بمفهوم الصداقات المتعارف عليها لغويا، بل كنا نجتاز هذه المسافة لتتوحد الافكار والمنطلقات، ففي فترة ما كنا نشتري الكتب ونتداولها بيننا، وقد يحتفظ كل منا بما يشتريه حيث كل كانت له مكتبته الخاصة التي تجاوزت المئات الى بضعة ألاف كتاب، كنت وليث نرسم ونكتب وفي السبعينات بدا ليث يعرف كشاعر، وكنت اجده رساما اكثر من كونه مبدعا في الشعر، فكنا غزيري الانتاج كتابة ورسما ولكن لم نفكر ألا قليلا بعرض نتاجاتنا، واذكر ديوانه الاول (قصائد منقوعة بالدم) الذي ظهر خلال الحرب العراقية الايرانية، وكنت انشر الكثير من المقالات باسماء مستعارة، واشارك بعرض بعض لوحاتي هنا وهناك، فالسلطات كانت قد وضعت مراصدها علي منذ اواخر السبعينات، فكنت ابتعد حينا واعود حينا، بل ربما تعمدت الابتعاد خوفا من اعين الرصد، ونأيا بصديقي الصدوق عن مطاردات السلطة لي.
الحكاية الثالثة:
كان الاعتقال الثاني ثم الخروج من المعتقل الذي شكل خروجا من الوطن، فاصطحبت زوجتي وطفلتي وخلفت ورائي دجلة والنخل وليث وسعد، هنا بدء زمن آخر، حيث تعودت ان احشو الجراحات ملحا كي تبقى مستيقضة، تذكرت سعدي يوسف: " هائنذا حقائب منسية في مطارات الدنيا " كان اكثر ما يوجعني ان اصبح حقيبة مهاجرة، حيث الارض غير الارض، والريح تحمل رائحة اخرى، وكل الانهار التي مررت بها لم ترو عطشا الى دجلة، في كل مرة كنت انصب خيمتي على حافة الجرح، واستخرج كتبي لابحث عن قيم الانسان، عن غربة الانسان، ووجع الانسان، في كل مرة كنت ارحل على جناح نورس، ولكن هل تهاجر النوارس؟ كنت ابحث في الصور عن نخلة عراقية، عن رجال بغداديون يلفون الجراوية، عن نسوة بالعباءة البغدادية، في الصباحات وانا اركب المترو كنت ابحث في الصحف عن خبر او صورة، ربما ذكروا هناك بغداد، ربما لاحت ملامح نخلة عراقية غسلت سعفها بمياه دجلة، ربما مرت لوحة لفائق حسن، ربما وربما، وعندما كنت اركب الباص لزيارة جامعتي في ادنبرة، كانت الساعات التسع تذكرني برحلتي من بغداد البصرة مرورا ببساتين النخل بالاهوار بكل ذاك العبق الغريب، وبدلا من السير على ضفاف دجلة صار التايمس رفيقا آخر غير انه مامنحني تلك الشاعرية الخاصة لدجلة الخير، غريب هذا الوطن، تذكرت مرة جواد سليم عندما قال مخاطبا محلته البغدادية: " اجد الالوان حتى في اوحال ازقة المحلة ".
الحكاية الرابعة:
منذ أن ارتحلت وانا ابحث عن ليث الصندوق، حتى بعثت رسالة الى اتحاد الادباء لأسأل عنه فدلني الشاعر الاستاذ ابراهيم الخياط اليه واوصل رسالتي، واذكر مرة في سنة 2005 كنت دعيت لالقاء كلمة في مؤتمر في دمشق وفي احد الايام عندما كنت اتمشى في احد الشوارع المؤدية الى السيدة زينب لاحت لافتة لدكتور يحمل اسم عائلة الصندوق، فتذكرت صاحبي العتيق وكدت اسعى لدخول العيادة واسأل صاحبها هل ينتسب لنفس العائلة الكريمة؟ وعندما بدانا بالتواصل كان همنا الاول ان نجد صاحبنا الغائب سعد عباس، كانت الذكريات تتداعى مثل كرات الثلج تنزل السفح لتكبر وتكبر، وبغداد بدأت تهل في كل رسائل ليث، حتى اصبحت اتنشق هنا في الغربة هواء آخر، ولكن سعد ضل بعيدا ويمكن ان يأتي فجأة كحلم من ليالي الصيف.
المملكة المتحدة – لندن wsialbayati50@hotmail.com 26 / آذار / 2008
|
|
|
|