زها حديد تزين جيد عاصمة الفنون ، فيينا
هناك بعض المدن على كرتنا الأرضية تصنع مجدا لمن يعمل فيها. أما أن مجدت أحدا فلا بد أن يكون ذلك لكونه موهوب جدا.
في فيينا ولد أكثر من طراز عماري وأبدع فيها بعض من أساطين العمارة الذين وضعوا لمساتهم على تطور العمارة العالمية مثل جوزف ماريا البرخت ، جوزف هوفمان اوتو فاغنر وأدلف لوس . فنانين كبار في مجال الموسيقى كعبقري العصور فولفغان اماديوس موزارت ولودفيك فون بتهوفن ويوهان شتراوس. وفي مجال الرسم غوستاف كليمت واوسكار كوكشكا في الأدب شتيفان فايج والفريدة يلانيك (حائزة جائزة نوبل في الأدب) وغيرهم الكثيرين. فعندما تفتخر هذه المدينة بمبدع ما فلا بد أن يكون هذا المبدع فوق العادة، إنها المهندسة المعمارية العراقية زهاء حديد التي منحتها فيينا جائزتين ، واحدة هي جائزة الدولة في مجال العمارة عام2002 والثانية جائزة الدولة في مجال الفنون والاقتصاد عام 2005. واليوم تعلن عن فخرها باختيار تصميمها ليكون قلب الحرم الجامعي لجامعة الاقتصاد وإدارة الأعمال في العاصمة النمساوية.

في حديث مع صحيفة " دي فلت " الألمانية في الخامس والعشرين من آب عام 2005 قالت زهاء حديد:" لم اعد استطيع أن استرجع أي صورة من صور وطني ولا مدنه ولكني استذكر صفحة الماء التي كنت انظر إليها حيث كانت مدرستي تقع على ضفة نهر دجلة في بغداد. منذ ذلك الوقت وأنا مغرمة بالمدن التي تطل على الماء مثل القاهرة، استانبول وشنغهاي. لا تهم التغيرات التي طرأت وستطرأ عليها لأنها ستبقى على مدى آلاف السنين .
نخيل بغداد، حمل عبق الماضي كما هو يحمل عبق المستقبل، شعور كان يفتنني دائما، ولكن الخيال في العمارة لم يعود بي إلى الماضي بقدر ما يصور المستقبل في الشكل والفضاء. كنت احلم وأتصور الأشكال في مخيلتي. فالحلم لا يمكن أن يتحقق دون مساعدة في مجال التربية والتعليم الجاد.
كان شعوري منذ الطفولة أن أعيش في عالم حر وكنت محاطة بعائلة متعلمة زرعت في المقدرة على التخيل الذي ساعده المجتمع البغدادي المبني على التاريخ والخيال وهذا ما وسع من مقدرتي التصورية.
كانت أمنيتي ولا زالت أن اعمل شيئا جيدا وغير عادي. وكيف أن أحقق ذلك وهو تحدي كبير كان ملازما لي ؟ لقد فهمت أن تحقيق ذلك لا يتم إلا بخلطة; من الاجتهاد، الرعاية، المقدرة، العمل المضني وإرادة حديدية".

في كانون اول الماضي أعلنت نتيجة مسابقة تصميم مركز التعليم ومكتبة جامعة الاقتصاد وإدارة الأعمال في العاصمة النمساوية فيينا، حيث فاز التصميم الذي قدمته زهاء حديد الذي حمل عنوان " مكتبة ومركز التعليم ". المبنى سيكون مركز ثقل التصميم الأساسي للحرم الجامعي الذي سيضم مختبر لغوي، غرف تعليم ، مكاتب إدارية، مركز للطلاب، مخزن لبيع الكتب، كفتريا ، نادي للطلاب وفضاء مخصص للمناسبات المختلفة .
أن هذا التصميم واحد من إبداعات زهاء حديد في "العمارة المستقبلية" أو "العمارة النصب". فقد صمم المركز على شكل مكعب مضغوط مال من ضلعيه العمودين بدرجة 40 وقسمته خطوط أفقية بتناسق فني وهندسي بديع حددت المعالم الوظيفية للمبنى الذي جاء في خمس طوابق وارتفاع 30 مترا. أما قياسات المبنى فهي : 136متر طولا والعرض 76 مترا. والمساحة الإجمالية 242.000 ألف متر مربع. وقد استطاعت المبدعة زهاء في تصميمها هذا من خلق فضاء داخلي رحب وحر سيعمل كمركز خدمات أساسي للحرم الجامعي. إن المبنى جمع بين إضلاعه الزجاجية جميع المرافق التي يتكون منها في حركة انسيابية لمكوناته كأنه نحت تتزاوج في المواد الإنشائية المختلفة مع المحيط وشكله الخارجي كما هو الحال في داخله.
قالت زهاء بعد فوزها في المسابقة:" أنا مسرورة للعمل في فيينا لارتباطي الروحي مع المدينة وان المبنى سيكون مركز بحثي ومكتبة وميدانا لتبادل الأفكار. إن وجودنا جزء من مشروع الحرم الجامعي شيء مثير " .

أما رئيس جامعة الاقتصاد وإدارة الإعمال كريستوف Badelt قال :"المكتبة ومركز التعلم أكثر من مجرد مكتبة بالمعنى التقليدي، انه مركز بحوث ومرافق خدمية . وهو مكان للعمل والاستراحة ، مكان الاتصال ومحور الحركة العامة لأنشطة الجامعة البحثية والترفيهية في آن واحد. ومما زاد من قيمة المبنى انه من تصميم زهاء حديد التي وضعت جميع تلك المهمات في تصميم معماري مذهل واستطاعت من تلبية كل المتطلبات الموضوعة له بطريقة رائعة جميع المهام الرئيسية للدراسة والبحث والراحة. وهي الرؤية التي تجسد المفهوم المبتكر للجامعة".
المسابقة المعمارية لتصميم المبنى كانت على مرحلتين الأولى ضمت ستة مكاتب استشارية ومنها مكاتب نمساوية ذات . والثانية اختيار ثلاث منها وفازت زهاء حديد في المرتبة الأولى بعد اختيار لجنة التحكيم في الثامن عشر من كانون أول 2008 الماضي لتصميمها.
لقد أضفي على الحرم الجامعي الجديد للجامعة اسم آخر هو الحرم الجامعي ل "نجوم العمارة العالمية" حيث سيساهم خمسة من أساطين العمارة في الوقت الحاضر على إنشاء مبانيه المختلفة وتقف في طليعتهم المهندسة المعمارية العراقية زها حديد. أما المعماريون الآخرون الذين وضعوا تصاميم لمباني الحرم الجامعي الأخرى فهم المهندس المعماري الياباني „Hitoshi Abe" والمهندسان الأسبانيان " Carme Pinos و " Eduardo Arroyo " والمهندس الخامس البريطاني " Peter Cook " الذين صمموا ; مبنى الأقسام العلمية الأول، مبنى الأقسام العلمية الثاني، مبنى الأقسام العلمية الثالث والخامس مبنى الأكاديمية المتخصصة. كما سيقوم المكتب الفائز في وضع المخطط الأساس للمشروع في تصميم قاعة المحاضرات الرئيسة..
وإثناء إعلان نتائج مسابقة المكتبة ومركز البحوث قال وزير العلوم النمساوي يوهانس هان بان هذا المبنى سيكون مركز ثقل التصميم الأساسي للحرم الجامعي.

إن اختيار وزير العلوم وكذلك رئيس لجامعة هذا المبنى لكي يكون قلب الحرم الجامعي ومركز نشاطه ، ليس فقط لمهامه الوظيفية التي وضعت في برنامجه المعماري وإنما لجمال تصميمه الذي يعتبر بحد ذاته علامة بارزة للعمارة المستقبلية التي تمثل زها حديد احد أركان صناعها وكذلك شعار الجامعة كصرح علمي يفكر للمستقبل.
قال رئيس قسم التخطيط في بلدية فيينا رودلف شيكر:" إن المشروع ميدان حقيقي لتلاقح العمارة العالمية والمحلية في المجال الفني والعملي ، حيث سهولة الاتصالات مع مركز المدينة سيعطي ذلك بعدا جديدا في الانتقال من محيط العمارة الحديثة الذي يمثله الحرم الجامعي ومبانيه إلى عالم العمارة وطرزها المختلفة التي ولدت في فيينا على مر القرون الماضية".
سيبدأ العمل في المشروع الذي سيشغل مساحة إجمالية تصل إلى 100.000 ألف متر مربع ويقع بين بارك "بارتر" ومدينة المعارض في الحي الثاني من مدينة فيينا ، نهاية هذا العام على أن ينتهي منه في نهاية العام 2012 . وعلى الرغم من الوضع الاقتصادي العالمي الحالي وسياسة الحكومة النمساوية في التعامل معه بجدية وخصص له مبلغ 250 مليون يورو لتنفيذه. ويدرس في الجامعة في الوقت الحالي23.000 طالب. وقال وزير العلوم ان الاستثمار في هذا المشروع هو الاستثمار المثالي في التعليم وبناء جيل جديد يستوعب منجزات العصر ويعمل لبناء النمسا كدولة متطورة.

وكانت لجنة تحكيم التي رئسها المهندس المعماري " Wolf D. Prix " قد اختارت في شهر أيار من العام الماضي مكتب"BUS" التي تديره السيدة "Laura P. Spinade" لوضع تصاميم المخطط العام للحرم الجامعي . من اجل الوصول إلى مستوى عالي في مجال التعليم والبحث العليم على مستوى الاتحاد الأوربي وتحسين منزلة جامعة الاقتصاد وإدارة الأعمال الفيناوية التي تحتل المرتبة الثامنة عشر في قائمة الجامعات المماثلة وضع البرنامج التصميمي للمخطط الأساسي على مبدأ" العيش والتعلم في الحرم الجامعي" . وقد عملت الجامعة لمدة عامين كاملين على وضع البرنامج المعماري لمشروع الجامعة ووحداته التعليمية والخدمية والترفيهية. إن البرنامج المعماري لوحدات المباني قد راعت فيها النظرة المستقبلية لتطور طرق التعليم ونمط العيش وتخطيط المدن وكذلك التطور التقني في مجال العلوم وتدريسها تتوزع مباني الجامعة على مساحة المشروع الكلية.
وكانت قد أعلنت مسابقة مفتوحة قدم للمساهمة فيها 133 مكتبا لوضع التصاميم للمخطط الرئيس وكذلك لتصميم المباني المختلفة . وقد اختارت لجنة التحكيم 24 مكتبا منها. وقد دعي 12 مكتبا لتقديم تصاميمهم.
وفي الفترة التي أعلن فيها عن اختيار تصميم زهاء حديد لمبنى المكتبة ومركز التعليم لجامعة الاقتصاد وإدارة الأعمال أعلن عن موعد افتتاح أولى مبانيها التي صممته في مدينة فيينا ويقد على قناة الدانوب وتمر تحت وحداته قطار الأنفاق رقم 4 الذي يربط الحي التاسع عشر الراقي في العاصمة النمساوية ببقية أحياء المدينة الأخرى . وسيكون المبنى قسما داخليا للطلاب الأجانب ومركزا ثقافيا حيث سيكون مكانا لعرض الأزياء والحفلات الخاصة .

تربت زهاء حديد في عائلة عراقية متنورة حيث كان والدها من أوائل الاقتصاديين العراقيين الذين تخرجوا في مدرسة لندن للاقتصاد وتأثر بالأفكار الاشتراكية الدولية ولعب دورا بارزا في الحياة السياسية العراقية في العهد الملكي ومن ثم في العهد الجمهوري الأول وكان أحد قادة الحزب الوطني الديمقراطي. وقد فتحت زهاء عينها وهي تسكن في دار صممت على طراز " الباو هاوز" كأول دار في بغداد.
وهي لم تزل صغيرة وضعت تصاميم لغرفتها الخاصة التي قام النجار بتنفيذها ومن ثم أعاد مثلها للكثير من بيوت الأغنياء العراقيين في تلك الفترة.
اختارت زهاء الغربة محلا لسكنها كالكثير من العراقيين الذي تركوا وطنهم في ظل الحكم التسلطي الاستبدادي لنظام صدام حسين وافتتحت مكتبها الخاص عام 1980 ومشاركة المهندس المعماري الألماني الأصل باتريك شوماخر في لندن ، حيث مكان إقامتها .
ووجدت زهاء الوقت بالإضافة إلى إبداعها في مجال العمارة والرسم لتكون أستاذا زائرا في أربع جامعات أمريكية عريقة ؛ هارفرد كرسي (كازنكا تانغه) ،جامعة شيكاغو (كرسي سوليفان) ، جامعة كولومبيا في نيويورك وجامعة ييل . في النمسا ، جامعة الفنون التطبيقية في فيينا ومثلها جامعة الفنون التطبيقية في هامبورغ بألمانيا.
أما الجوائز التي حصلت عليها زهاء فهي:
• 1982الميدالية الذهبية في العمارة
• 1994 جائزة اريع شيلينك في العمارة
• 2002 فارس الإمبراطورية البريطانية
• 2002جائزة الدولة النمساوية في العمارة
• 2003 جائزة مس فان دير رويه في العمارة الأوربية
• 2004 جائزة بريتسكر " Pritzker " التي تعتبر جائزة الأوسكار في العمارة
• 2005 جائزة الدولة في مجال الفنون والاقتصاد - النمسا
• 2005 الجائزة الألمانية في العمارة
صممت زهاء حديد الكثير من المباني التي يزيد عددها على25 مبنى موزعة على دول العالم المختلفة; بريطانيا، إيطاليا، ألمانيا ، النمسا، الصين الوطنية، الدانمارك، الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وغيرها. جميع تصاميمها دخلت في تاريخ العمارة الحديثة كمثال لعمارة المستقبل والعمارة " النصب" أو عمارة "الأشكال الانسيابية" .
صدرت عنها الكثير من الدراسات والكتب باللغات المختلفة، وقد حظيت مقابلة معها أجراها كاتب هذه السطور لصحيفة الحياة اللندنية وأعيد نشرها على الانترنيت باهتمام القراء العرب حيث وصل عدد قرائها إلى حوالي 20.000 قارئ. وعلى الرغم من أنها فازت في أكثر من مسابقة في مدن عربية لم تنفذ ، والربما السبب في كونها امرأة وعراقية ايضا.
ولسوء الحظ لم يفلح وطنها لحد الآن في أن تقوم زها حديد بتصميم إحدى المباني فيه.
وعبرت زهاء في حديثها مع كاتب هذه السطور عن أمنيتها في أن تساهم في مجال تخطيط المدن وتصميم عدد من المباني العامة لوطنها العراق، فهل هناك من يسمع ويقرئ في العراق الجديد ؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (8 تعليقات سابقة):
اتمتى من اعماق قلبي وهذا ما يتمناه كل العراقين ان تنجز هذة الانجازات الرائعه في العراق وعلى الحكومة ان تستعجل في بناء العراق من قبل المبدعين العراقين لانه فخر للعراق والعراقين