الشاعرة فواغي القاسمي .. الخيارات الروحية للشعر والجمال ( جرح نرسيس )
( كان نرسيس يمثل انفلات الوعي وتأثيره على قناعتنا بما نملك من طاقة خفية للجمال الروحي والجسدي والسماوي) كارل يونغ
( مصلوبا بالجرم المحمومْ ، يتأرجح مسفوك القدرةِ
من أعلى صارية الهجرْ ، يتمزق في ظلمة يأسي كخيال اليتم
ذاك المنتظر على المنفى...)
فواغي القاسمي / من قصيدة جرح نرسيس
لا ادري مالذي ذكرني برؤى الشعر المكتوب بمداد الروح الذي تحسن صياغته الشاعر فواغي القاسمي عندما كلفتني الكاتبة البريطانية ( أميلي بورتر ) ، بكتابة دراسة ادبية تكون مقدمة لكتابها الموسوم ( ماري تريزا ..اميرة بابلية ) والذي صدر بطبعته العربية والانكليزية عن دار فضاءات ــ عمان 2009.
الشعر الذي عاش معي وجدان المتعة الروحية وذائقة تقبل الشعر كملهم يدفعنا الى الحصول على متعة الحس والذاكرة ،وذلك ما عشته وانا اكتب المقدمتين .الآولى صدرت مع كتاب فواغي القاسمي الشعري الموسوم ( اي ظل يتبعني ) والصادر عن دار نينوى للنشر / دمشق 2007. وكتاب اميلي بورتر ( ماري تريزا أميرة بابلية ) ، ففي كتاب ( أي ظل يتبعني ) للشاعرة القاسمي كانت المقدمة هي فصل من اطروحه قراءة العالم الشعري لفواغي والذي ظهر بثلاث اجزاء في صحيفة الزمان ( الطبعة الدولية ) ، وهو عالم هادئ متلبس لقناعات روحية عجيبة بقدرية الوجود وشموخ الذات التي يهيمن عليها وجدان الشعر وابداعه في حس متدفق بغنائية الانثى التي خلقها الله لتعي موجوداتها من خلال الموهبة الربانية والثقافة العائلية وبعضا من احساس الحياة البيتية ودفئها.
وهو دفئ مثالي مكنها من أن تبني قصور اخيلتها على فراديس الورد ،وكل هذه الخيلة عبارة عن تهدجات وعي ،ومساحة من الصوفية المدهشة ، ورؤية لما يجري في هذا العالم ،حتى اني وسمتُ مقدمة الكتاب ب( عولمة الروح وتصوفها ).
تقترب ذاكرة الحس والمشاعر بين كتاب اميلي بورتر وفواغي القاسمي اقتراب غريب ،احسسته وانا اقرأ مسودة كتاب بورتر قبل الطبع ، فقد سكنت ذهنية وثقافة ماري تريز الى قناعة عجيبة وتماسك روحي مكنها من أن تصنع وجودها وسط صعوبات الحياة وتخلفها ايام الحكم العثماني في القرن الثامن عشر ، وبالرغم من اختلاف طبيعة الحياة والخصوصية والنمط ،إلا أن الوسيط الروحي لثباتات القرار عند المرأة المؤمنة بقدرية التأليف والتسامي تظل في مشاركة وجدان الابد بالرغم من تغريب وتعاقب الازمنة، لهذا لم استمتع بكتابة مقدمة كتاب ماري تريزا إلا بعد المراجعة المركزة لكتاب ( اي ظل يتبعني ) ، فلقد كانت القاسمي تمسك لحظة الكشف الشعري ببساطة نبضات القلب والمشاعر المتدفقة والتي تمنح قارئها المزيد من الامل لشوارع حياتنا المظلمة بسبب تدخلات مايحدث.
كان الوعي الشعري عند الشاعرة فواغي يمثل تنوع في النتاج الروحي للمرأة وأصرارها على تثقيف ذاتها بمعلومة الوجود التي تصنع اخيلة الممالك الشعرية والتي حملت نتاجها لأكثر من كتاب.
بين اميرة خليجية وأميرة بابلية يضع الشعر توافقات الرؤى وادوات البحث والصناعة المتقنة للقصيدة.
ولهذا وأستمرارا لمشروعي القديم في انجاز مسودة كاملة عن هذه الشاعرة الوجدانية والتي تتشغل على بهاء التصوف والمقاربات الروحية بين اشياء العالم ومنحها صفة القناعة والديمومة بما تقدر لنا السماء والحياة أضع رؤية جمالية مفترضة من قناعة القراءة المتعددة لنتاج فواغي الشعري ومنها نصها الشعري الجميل ( جرح نرسيس).والمنشور في مدونتها على شبكة الانترنيت كآخر نتاجاتها.
يتدفع هذا النص( جرح نرسيس ) ، بأنثيالات مسيطر عليها في عالم يثير فينا أكثر من قلق على مستوى مايجري في المعادلة الكونية الصعبة والتي تكون مشاعرنا الذاتية والمجتمعية جزءاً منها . لهذا بقيت هذه الشاعرة تنظر الى نصوصها بحذر تغسلة الكثير من أفياء الأمل حتى فيما يخص مشاعر الغرور التي حملها نرسيس في اسطورة الاعجاب بجماله عندما عكسته صفحة ماء النهر على أجفانه ،مما دفعه الى زهوٍ خرج عن نطاق الروح الى نطاق الجسد ،ليذبل وليتحول في النهاية الى زهرة نرجس.
فتحولات النص هنا ، هي تحولات الوجدان في صبغته الصوفية التي تعكس رغبة نرسيس في التخلص من ذلك الكبرياء التي تريد فيه الشاعرة أن تذكرنا إن البساطة والجمال والقناعة والمشاركة الانسانية تخلق في الذات فيض من القدرة على تجاوز محنة التفكير فيما يحدث لهذا العالم ،وبالرغم من أن القارئ سيجد الذاتية الغنائية مسيطرة على روح المفردات إلا ان القراءة الحقيقة للنص تحررنا من هذا الوهم وتقودنا الى الاستفادة من دمعة وجرح نرسيس الى متعة الذهاب الى خبايا مايسكن اعماقنا ومانوده أن يكون لنا من صحبة الاطياف الجميلة مع من نودهم ونتمنى لهم الحياة بمتعة الذهن والصلوات والتعبير الحر.
فهي تتحدث الى بعيد من حياتها ، وتقود هذا البعيد الى زواية التأمل لتسلط عليه ضوء قراءة ما سيكون لنا ولهم .
اولئك الذين يتوارثون سفر المحطات والالفة العائلية ومنتديات الشعر والمناسبات وقراءة مايجري في هذا العالم ، من انهيار الابراج العالية وكوارث سقوط الطائرات الى دموع غزة وبغداد.
انها شاعرة تحسن اختيار موضوعتها ،تلبسها قلق الصوفية التي لاترتكن الى اساها الابدي حتى لو تحولت الى زهرة جامدة لاتمنح لأنوف المتنزهين والعشاق سوى العطر ثم يأتي الخريف ليبتليها بالذبول ومن ثم العدم.
هنا الشاعرة تحرك الحياة في نرسيس بالرغم من جرحه الاسطوري والابدي الذي ظل يلازم الهاجس البشري منذ أزمنة الاغريق وحتى أزمنة الدبابات والتسلح النووي.
انها ملازمة لجرح لايندمل إلا مع الابداع الروحي ،وليس هناك ابداع روحيا من غير كشوفات الشعر ،هكذا كان متصوفة سمر قند واصفهان ودمشق وبغداد وزغرب والقاهرة والكوفة وسامراء ومراكش يعتقدون ذلك ، فتكمل لهم فواغي صقر القاسمي ذلك فتأتي تسلسلات النص في الرؤى القرائية التالية :
(( يا قلقي المتحجر شوقا ، مصلوبا بالجرم المحمومْ ، يتأرجح مسفوك القدرةِ
من أعلى صارية الهجرْ ،يتمزق في ظلمة يأسي ، كخيال اليتم ..!
ذاك المنتظر على المنفى، وعلى أرصفة الشفقةْ تلتهم رؤاه المعبرةِ ، أنياب الوقتْ ))
هو وقتنا ، وقت الشاعرة ، تلتهم الحلات المتناقضة والمواقف المتلونة والأقدار تصنعها القلوب المنزوعة من حنان الله. وقتنا المنفي ، تقرأه الشاعرة بدراية الجرح الذي يحتاج الى شفاء يبلسمه الشعر بوجدانيته وعطفه وكرمه ،وهذا يحتاج الى مهارة روحية بالغة التعقيد.
صورة تشبه لوحة الألم ( المتفائِل ) تعكس لنا ماخلفه جرح نيرسيس على الكثير من وقائع دنيانا التى تحولت الى خرافة الاساطير وكراسي الملك والجاه الفارغ ، وصار الوقت على الأنسان الحقيقي المؤمن كما السيف على رقبة الضحية التي اسكنت تقاها واحلامها الى نقاء السماء.
هذا القناء الذي يتجاوز عند الشاعره امكنة النفي ليتحول الى رغبة بصناعة شيء مفيد لنا نحن يحول جرح النص الى مداواة لعلة تغمرنا بقدرية القرون التي مسحتها بهجة الحروب والانقلابات وشيوع الفقر والآلة.
انه وعي بحاجة لمتغير ليس لنرسيس المغرور فقط بل حتى للقلق الروحي الذي يحمله كل واحد منا.
( لا شيء يرمم منسأتي ، يرتق بالموج الهادئِ ،أشلاء الشطآن
أو يغسل عن وجه الحلكةِ ، صوت الأحزانْ
ليعود لنرجسة النرسيس ،لون صفاء الماءْ...
و الزهرة حافية ٌ تتفيأ سورا ورديا ، يلتف كإكليل النهرْ...)
في هكذا أبتهاج مرمز ،وغنائية متدفقة تضع فواغي القاسمي نهاية لنصها ، تركنه الى شيء من كيمياء الروح وتضع له نهاية تتوقعها هي ولا أحد سواها ، نهاية لما يمكننا أن نفعله لتخلص من ذلك الغيظ والحزن الذي يسكننا عندما يعود( لنرجسة النرسيس لون صفاء الماء.) ، صورة شعرية مشعة بهاجس الأمل ومحملة بكمٍ كبير من الموسيقى.
انها تصنع حياة ثانية لنرسيس وتعطيه الأمل ليعيد حسابات ما كان يفكر فيه قبل التحول ،وهذا ماينطبق علينا جميعا عندما يسكننا ذات القلق. القلق المتوتر في رحاب اشكالية الوجود الجديد والنزعة التي يملكها الاخرون للاستحواذ على ماليس لهم.
نص يضع قدرية نرسيس في معاصرة ذكية ينتهي في قارئ النص الى فتح نوافذ الامل اتجاه الجديد ويعيد حسابات الذهن عندما يكون الشعر بوابتها للكشف والرؤية والدراسة والمحاججة.
لهذا تضع الشاعرة الصورة الوردية لما تنتهي اليه قصة نرسيس ،وهي تعيش الواقع من خلال دمعة الجرح الذي حمله النص وأرانا سعة في الرؤيا التي لاتحتاج الى مقاربات القاموس والمشفره.
لقد كتبت النص تحت تأثير وعي ايمانها بمطلق الحياة والروح والاسرة التي احكمت فيها فواغي القاسمي ثمرة جهدها ومنتجها الذي يشكل سيرة حياتية لمرأة عرفت كيف تكتب نصها الشعري وتسوره برائية العقل والجمال.
* قصيدة (جرح نرسيس ) ،مدونة الشاعرة فواغي القاسمي على شبكة الانترنيت.
برلين / 3 يوليو 2009
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):