أنطباعات تقترب من ( 50 ) عام - محمود البريكان لغز القصيدة وسؤالها الصعب
لعل من أجمل ضربات القدر وبدواته أن جمعتني الصدف بالشاعر الكبير محمود البريكان عندما كنت طالبا لسنتين دراسيتين هي الثاني والثالث المتوسط في (المتوسطة
الشرقية ) الواقعة بمنطقة الكرادة من رصافة بغداد , أوائل العقد الستيني من القرن الماضي , وكان هو أستاذ اللغة العربية , وقد نشأت بيننا صداقة حميمة , ولعل السبب الذي دفعه على أصطفائي كصديق وقريب منه دون سواي , هو ماكان لدي من وعي ثقافي وسياسي مبكر يميّزني عن بقية أقراني من التلاميذ , ساهمت فيه بشكل كبير نشأتي في عائلة يمتهن كل أفرادها كتابة الشعر ويتعاطون السياسة كما يأكلون ويتنفسون
اضافة الى كوني رسّام المدرسة الوحيد , وكان هو يدرّس اللغة العربية وفي نفس الوقت كان يدرس في كلية الحقوق كما أظن , لأنّي لم أره يوما ياتي الى المدرسة دون أن يتأبّط كتب القانون والتشريع .
في هذا الأستطراد السريع عن انطباعاتي هذه , عليّ أن أذكر شيئا عن طبيعة شخصية هذا الشاعر وصفاتها كما تسعفني بها الذاكرة , لعلـّي أضيء جانبا مهمّا منها حيث كانت ولا زالت لغزاً محيّراً لدى جميع من أهتم بشعره حتى مصرعه التراجيدي الدامي نهاية شباط عام 2002 .
محمود البريكان كان مترفاً وأنيقاً جداً في ملبسه رغم أنه لم يرتدي طيلة الفترة التي عرفته بها غير بدلة واحدة لونها أخضر مطفأ , وكان يشكو من حَولٍ في احدى عينيه يحجبه بنظارة طبية زجاجها يظللّه لون أخضر أيضا , وكانت اللغة العربية الفصحى هي الغالبة على معظم حديثه اليومي سواء في باحة الصف أو خارجه , وكان يجيد الخط العربي بكل أنواعه اجادة متميّزة عجيبة , حيث كان في بداية كل حصّة يمسح السبّورة ويكسر قلم الطباشير ليترك قطعة صغيرة منه بين انامله ليخط بمهارة ودقة واتقان عنوان المحاضرة , وكانت هذه الخطوط التي يسطـّرها على السبورة هي بمثابة دراسة قيمة في الخط العربي , أستفدت منها أنا شخصيا الكثير .
كان البريكان حيي وخجول جداً يميل الى الوحدة في أغلب أوقاته لكنّه يتحوّل الى بركان لا يمكن السيطرة عليه اذا ما أستثير لأمر ما , لذلك كنا نحرص على أن نبعد عنه كل ما يستفزّه , وطيلة فترة السنتين الدراسيتين تلك لم يعلن عن حقيقة كونه شاعراً أبداً , ولكن
بمحض الصدفة وقعت بين يدي مجلة ( المثقف ) التي كانت تصدرها جمعية الخريجين العراقيين , وهي مجلة رصينة جدا رغم تواضع اخراجها , ولعلّها كانت تفوق من حيث المستوى الثقافي حتى مجلتي الأديب والأداب اللبنانيتين , فعثرتُ على قصيدته
( رحلة الدقائق الخمس ) التي كانت وقتها صعبة على مداركي لرمزيتها الشديدة , وقد فرحت حينها أيمّا فرحة لأكتشافي حقيقته .
وفي ظهر يوم جمعة ألتقيته أمام سينما الخيام , ورجوته أن يشرح لي بعضاً من غموض ما جاء بقصيدته هذه , فدعاني للسير معه الى أن يحين موعد بدأ عرض الفلم , حيث كان شغوفاً بالسينما شغفاً شديدا ومتابعاً يومياً للأفلام خاصة الأجنبية منها . في تلك الدقائق التي أستغرقها مسيرنا في شارع الرشيد أكتشفت لأول مرة ذاته الشاعره وأعماقها الفلسفية , كان يشرح لي عن أبعاد قصيدته وكنتُ أراقب حركة يديه وطريقة كلامه حتى حين يعدّل وضعية نظارته بين حين وآخر لتستقيم على عينيه , لقد بدا لي
وكأنه تحوّل الى قصيدة تمشي معي .. في تلك الخطوات التي خطوناها على رصيف
الشعر, عرفتُ كم كان مؤمنا ومولعاً بالحرية ليس بمفهومها الفلسفي وأنمّا بفعلها السحري على الواقع اذا ما تحققت , وقد ربطتُ ذلك الأنطباع مع ما كان ينشره من قصائد وما تقع أمام عيني من أفكار كان يدوّنها على قصاصات ورق صغير فيما بعد , اذ أصبح هذا شغلي الشاغل .. يقول مرّة في هذا الصدد :
لا أشتهي عيناً زجاجية
فماً من المطـّاط
لا أبتغي ازالة الفرق ولا أريد
سعادة التماثل الكامل
شكرا لكم دعوه يبقى ذلك الفاصل
أليس عبداً في الصميم سيد العبيد ؟
كان الجو السياسي تلك الفترة مشحونا بالكراهية والصراع كان على أشدّه بين الفصائل السياسية المؤثرة بالساحة آنذاك خاصة بين تيار اليسار وحلفائه من ديمقراطيين وبين القوى ذات التوجه القومي الوحدوي , ممّا انعكس على كل مفاصل المجتمع ومنها مدرستنا , حيث أنقسمت الهيئة التدريسية الى قسمين يسار ويمين .. كان البريكان الوحيد الذي نجا من هذا الأستقطاب , الاّ أنني أذكر مرّة وقد جمعتنا معا النشرة الجدارية المدرسية التي كان يشرف عليها وكنت أنا المسؤول عن التصميم والجانب الفني , حيث طلب مني أن أرسم في أعلى النشرة وعلى جهتي العنوان حمامة السلام البيضاء على جهة اليسار وشعلة الحرية على جهة اليمين التي أعدت رسمها أكثر من مرّة الى أن أقتنع , ممّا يدلّ على أهتمامه بالجزئيات حتى في شعره , وقد أقترحت عليه أن نستبدل الموقعين خدمة للتصميم أي أن تكون الشعلة في اليسار والحمامة في اليمين , رفض ذلك وقال كما اتذكّر ( لا .. لا أريد أن يمس الحمامة أي أذى قد يصل اليها من الشرر المحتمل تطايره من الشعلة ) , عندها تأكدّتُ تماماً من حقيقة تعاطفه السياسي , وبان لي أي أنسان رقيق يتلبّس جسده النحيل , وقال مرّة ما يؤكّد جمال روحه وحسّه الأنساني هذا :
في المطعم الصاخب
أطلّ من خلف الزجاج عابرٌ صغير
بوجهه الشاحب
أطلّ لحظتين
أسقط قطرتين
كما كان مولعاً وشغوفاً بالموسيقى الكلاسيكية أي السمفونيات ومبحرا في عوالمها , وكم صرف أوقاتا طويلة لجعلنا نتقبّل سماعها لكن دون جدوى فآذاننا لم تكن قد تهذّبت بعد ,
كان يقول لنا ( أنصتوا للحظات ... أنها صوت الملائكة ) .
محمود البريكان كان ذات طبيعة مسالمة وديعة يرفض العنف أيّا كانت دوافعه حتى لو كانت لنصرة المظلومين , ولمّا أستفحل العنف والمواجهات الصدامية بعد ثورة 14 تموز 1958 , وما نتج عنه من تراجع أخلاقي خطير في الشخصية العراقية , دفعه الى
أن يعيد تقييم علاقاته بالآخرين حتى وصل به الأمر أن يشك حتى فيمن حوله , فنراه
يقول :
أنا تخليّت أمام الضباع
والوحش عن سهمي
لا مجدُ للمجد , فخذ يا ضياع
حقيقتي وأسمي
ويقول في ظرف آخر :
تصادف الأحلام
تفسيرها في لحظة اليقظه
تصادف اليقظة تفسيرها
في حلمٍ تدفنه الذاكره
من يُخرج الأنسان منها هذه الدائره ؟
واليوم حين أتذكره وأقارن بين أنطباعاتي الأولى وما حصل بعد ذلك حين أستقر في مدينته البصرة ولم يغادرها , وفرض على نفسه عزلة عجيبة وجعل كل قصائده التي كتبها بعد ذلك تعيش في دائرة الظل , لم ير النور منها الاّ بعضها وهو ما نشرته مجلة الأقلام في الثمانينات بعد أن بذل رئيس تحريرها جهدا مضنيا لأقناعه بنشرها , ولم يعرف أقرب أصدقائه السبب الحقيقي وراء عزوفه الطويل هذا بالرغم من أنه كان يعلم
عن آراء كل مجايليه من الشعراء به وتفضيله عليهم , تأخذني الحيرة والتساؤل لماذا جعل شعره بعيدا عن الذاكرة الشعرية العربية ؟ ولماذا نحى منحىً غريب عن طبيعة الشعراء وهو الأبتعاد تماما عن الأضواء والشهرة ؟ ولما أرتضى القطيعة التامة مع
دائرة الحراك الثقافي والشعري في بلد يشهد كل عام العديد من المهرجانات الشعرية ؟
أنا أرجح أن نفوره هذا بدأ بعد أنقلاب شباط الأسود عام 1963 والمجازر التي أرتكبت
فيه وما تلاها من أنقلابات ذات طابع دموي وآخرها النظام المباد الذي أغرق العراق في بحر من الدماء نتيجة الحروب العبثية والدمار الذي لحق كل مفاصل الحياة وتسخيره الثقافة لخدمة أغراضه ووجوده , أذ كان شديد الأخلاص الى نفسه ومؤمنا بقناعاته ومن المحال أن يتزلّف الى السلطان حتى ولو بكلمة واحدة , لذلك أختار الأنكفاء على ذاته والأنزواء بعيداً عن العلن حتى يكون في مطاوي النسيان , وهذا الذي حصل , أضافة الى عوامل نفسية أخرى كان يعاني منها وهو حرصه غير المبرر على أن لا يتسرّب
شعره الى الآخرين خشية أن تسرق أفكاره وصياغاته .
أخيرا أقول أن محمود البريكان هو شاعر كبير يختلف عن الكثير من الشعراء العراقيين والعرب , فهو بارع في أصطياد أفكاره التي تمرق في خياله وذاكرته ويشرنق عليها ما تفرزه أعماقه من رؤى وينسج عليها صياغاته اللغوية التي تعتمد غالبتها على التفعيلة والأيقاع , فتبدو محكمة الخيارات وتثير أغلبها أسئلة صوفية عن الوجود والعدم , من منّا لا يتذكّر قصائده حارس المنار , أسطورة السائر في نومه , الفراشة , الصخرة , الشباك .. وغيرها الكثير . والبريكان كان يوجّه خطابه المعرفي الى الأنسان أينما يكون
ولم يعني يوما بشعره الأنسان العربي او العراقي أو البصري , كما خلت قصائده أيضاً من محلّية المكان فلم يتطرق الى مكان نشأته في مدينة الزبير أو ذكر شيئا عن بغداد العاصمة التي درس بها وكانت جميع قصائده مدينية , وليس كما فعل السياب الذي خلّد
قريته جيكور ونهرها الصغير بويب بأكثر من قصيدة كما كتب عن بيت جده ومنزل الأقنان , كما أحتلت بغداد جزءا مهما من أهتمامه عبر الكثير من قصائده .
قال البريكان مرّة ( أن كل كلمة لا يعنيها الشاعر تعني تفككا بالكيان , وأي عبارة لا تستقطب شيئا هي خيانه ) أذن كم كان مخلصا لكل أفكاره ولكل ما قاله .
وظلّ هذا الشاعر المهم لغزاً محيراً في حياته وفي مصرعه الذي لا زالت تدور عليه
الشبهات حتى يومنا هذا , فهل كان يعلم بطريقة نهايته ؟ لنقرأ ما كتب قبيل حادث مقتله:
على الباب نقرٌ خفيف
على الباب نقرٌ بصوت خفيض ولكن شديد الوضوح
يعاود ليلا أراقبه . أتوقعه ليلة بعد ليله
أصيخ أليه بأيقاعه المتماثل
يعلو قليلا قليلاً
ويخفت
أفتح بابي
وليس هناك أحد
من الطارق المتخفي ؟ تُرى ؟
شبحٌ عائدٌ من ظلام المقابر
صيحةُ ماضيٍ مضى وحياة خلت
أتت تطلب الثأر ؟
روح على الأفق هائمةٌ أرهقتها جريمتها
أقبلت تنشد الصفح والمغفرة ؟
رسولٌ من الغيب يحملُ لي دعوةٌ غامضةٌ
ومهراً لأجل الرحيل
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):