قراءة في: الدوافع الى المادية
مقدمة
تتمايز الثقافات في العالم تبعاً للتفاوت الفكري لمجتمعاتها، والمبني على أسس متعددة، منها الأساس الديني. وهذا ما يضطرها الى سلوك منحىً يختلف عن مناحي الثقافات الأخرى. فتكون نوعية الاهتمامات بالعلوم الضرورية للمجتمع الممهدة للسلوك، مستندة الى مستوى الفكر المتباين ذاك. والمستمد أحياناً كثيرة من عقائد وشرائع وأهداف جاء بها الدين. فتبرز سماته وصفاته وتتحدد هويته الخاصة به أسوة بباقي الثقافات.
ولما تبدأ العلاقة التي بنيت وفق الأسس التي كانت مدعومة الدعم الخاص - الالهي - بين طرفي المعادلة (إن جاز التعبير) بالتهاوي شيئاً فشيئاً، نتيجة حسابات فردية يمكن عدّها أخطاء فادحة، يدخل قسماً منها في اجتهادات متباينة فيما بين المتزعمين، لاختلافات عادة ما تكون مذهبية، حين أخذوا على عاتقهم تسنينات لم تصمد طويلاً أمام وعي وإدراكات البعض الآخر، مما يشجع على الخروج من زمام سيطرتها الفكرية، واللجوء الى مفاهيم مناهضة عديدة تجتمع تحت خيمة واحدة لتشمل كل الخارجين الذين يظنون أنهم سعيدون بما يحققوه ويتبنوه لاحقاً كونه يمثل لهم، الدين الجديد.
فتبرز المفاهيم الجديدة التي تسلك هي الأخرى مناح تدعو الى اعتناقها والتمسك بها، ظناً منها أنها جاءت لتغطي تلك المساحات التي أمست في نظر مروجيها ضعيفة في التوحيد فيما بين الطرفين. ومن هنا يحدث الخلل في تفسير ما هو واجب التمسك به على اعتبار أنه سيد المفاهيم أبداً.
وعليه، فقد جاء الدين الاسلامي ليحمي البشرية من هول المعاناة الفكرية التي اندرجت ضمن خانات كثيرة، طالما حملت في طياتها أساطير وأقاويل وأنواع من نظريات وفلسفات كان بعضها بمثابة منزلق خطير جرَّ العديد من المغفلين الى وادي الكفر والعصيان.
وبهذا فقد اتّسمت ثقافته وصارت لها أهداف مغايرة لما جاءت به الثقافات الأخرى حين انعكست بوادر الاستحسان الأقليمية الممتدة شرقاً وغرباً لنداءاته ودعواته المستمرة وعلى أيدي رجالاته ومفكريه. مقتبساً في ذات الوقت ومجتذباً من ثقافات أخرى كاليونانية والهندية والايرانية، علوم ومعارف وآداب متنوعة، أسهمت في بلورة أسلوبه القادم - الجديد - الذي خصّ به مسلميه، بعد أن صبّ تلك الاقتباسات في نموذج آخر دقَّ به أعناق الكفر والالحاد من جهة، والعبودية والاستغلال والاحتكار وما شابه من جهة أخرى، من أوسع أبواب الدلائل الطبيعية والمنطقية، والأسانيد الرياضية، والقيم الاجتماعية والاخلاقية، التي عدّت فيما بعد جزءاً من الواجبات الاسلامية التي خُصِّصَ للتمهيد الى معرفتها، دراسات وثائقية كثيرة ومتنوعة، صارت بعد ذلك مرجعاً مهماً نستلهم منه ونستنير به.
فظهر على كل أصقاع الساحة الاسلامية وفي كل مفترقات طرقها المظلمة، العديد ممن بسط بنفحته القدسية، فكره الالهي، ليساهم في تنوير عقل المسلم ويحميه من عواقب تلك الأوهام التي صالت بها وجالت دهوراً طويلة.
أحد هؤلاء، الشهيد الوفي والنبراس المضئ الشيخ الاستاذ العلامة مرتضى المطهري. الذي ولد في 13 جمادى الاولى من عام 1338 هجري في قرية فريمان، إحدى قرى محافظة خراسان. والده هو المرحوم الشيخ محمد حسين المطهري. كان ورعاً تقياً وانموذجاً رائعاً في التقيد بالسنن الاسلامية. وقد تربى في حجر والده. إرتقى مدارج العلم والتقوى وازداد حبه وتعلقه بالمسائل الاسلامية .
درس العلوم الدينية وهاجر بعدها الى مشهد وعمره اثنا عشر سنة، وهناك خاض العلوم الدينية من المنطق والفلسفة والحقوق في الاسلام والادب العربي. حتى نضجت في نفسه فكرة، طالما سيطرت على كيانه وجميع أفكاره، ألا وهي فكرة إثبات وجود الله عزّ وجلّ.
وفي العام 1358 هجري حين بات عمره سبعة عشرة عاماً هاجر الى قم وفي الحوزة العلمية العريقة هناك، واجه صعوبات ومشاق كثيرة من جراء الضغط والظلم من قبل السلطات آنذاك.
وفي العام 1367 هجري تعرّف الاستاذ المطهري على المدارس الفلسفية المادية، وكان شديد الميل الى الأبحاث الفلسفية مما شجعه على مطالعة الكثير من كتبها بدقة وإمعان. فأثمرت نتائجها الثمينة في تبيين فوارق الفلسفتين الالهية والمادية. وأن يقارن بين التفسير الالهي للكون والتفسير المادي له، ليشيد حينها أهم الاركان التي وقفت بوجه التيارات الفكرية الالحادية.
المدخل
تناول الاستاذ مرتضى المطهري جوانب عديدة ومهمة من تاريخ العقائد والأفكار البشرية، وقد أشار في بداية بحثه الى المدلول الاصطلاحي لكلمة "المادية "، وما تعنيه لدى الالهيون - مسلمين كانوا أو غير مسلمين - من أنهم ماديين، لإيمانهم بأن للمادة واقعاً موضوعياً محدداً بزمان ومكان وأنها حقيقة متطورة متكاملة، تتكشف من خلالها إرادة حكيمة عظيمة وقدرة فائقة في توحيد عالم الطبيعة وتنسيقه على أدق وجه.
وأما في الجانب الآخر، وهو مبحث الاستاذ القدير ومقصده، فينصب في استعمال كلمة المادية بشكل ينافي الوجود اللامادي. بل يعتبر مفسروا ومعتقدوا هذا المذهب أن الكون محكوم بقوانين المادة فقط، وما عدا ذلك فهو وهم. أما أسباب ودوافع الاتجاه نحو هذا المذهب أو المعتقد.. فهذا ما سنعرفه في الأسطر التالية من المؤلَّف.
إنَّ النظريات والدراسات وما تبعها من فلسفات وكل ما جاء تحت غطاء ما يسمى بـ " تاريخ الأديان"، لا يمثل أبداً تصوراً إنسانياً بالمعنى الصحيح والمتعارف عنه. فهي تبتعد عن سير اتجاهها الواجب سلوكه فيما يخص الاعتقاد اللاديني عند بعض الناس الذين تصل بهم حالة من التردد والوسواس الهدام فينشغلوا عن أفكارهم وأعمالهم بشكليهما الصحيحين. هذا الاعتقاد الذي جاء نتيجة التشكيك لا لشئ إلا للتشكيك.
إنَّ الاعتقاد بالله تعالى، حالة صحية وسليمة، وقد فطر الانسان عليها قبل كل الأديان. واذا كان الشك قد ولد معه، فهو مقدمة رائعة للكمال ومنعطف يبحث عن الحقيقة وينشد الجزم بالأمور. وعليه فإن التساؤل أو الاستغراب من وجود حالات تدفع الى الاعتقادات المادية (التشكيكية الحصرية)، المخالفة للطبيعة الانسانية الموحِدة، لهو أمر يحتاج الى وقفة وتمحص بالاستناد الى منطق العقل والبحث في الحجج والأدلة البعيدة عن التصورات المحال تصديقها لدى الأفراد الذين دخلوا عالم الوسواس.
إنَّ الحرية الفكرية في المجالات العلمية والفلسفية، وما رافقها في القرون الوسطى - تحديداً - من قصور في بعض المفاهيم الدينية غير الناضجة حول الله عزّ وجلّ، والتي لم تكن لتقنع الأذكياء والواعين منهم، شجعهم ذلك على النفور خارج المدرسة الالهية وحوّلتهم الى أعداء لها. من هنا نشطت دوافع هذه المدرسة وبوضوح أكثر، ونضجت طرق رواجها، خصوصاً مع بداية التقدم العلمي وتوسع الفكر التجريبي الذي شهده عصر النظريات العلمية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فظهرت فئات من مستويات ثقافية مختلفة آمنت بسرعة بالمفاهيم والتوجهات التي كانت تُصعّد من حملاتها نحو المادية. وقد ساهم في إعلاء شأنها أفراداً معروفين مثل " برتراند رسل " الذي يقول:
" إنَّ البشرية وليدة عوامل لم توجد وفق تدبير مسبق، أو غاية مقصودة، فأصل الانسان هو النمو والتطور".
إنَّ ما قامت به الكنيسة - مثلاً - من إعطائها صورة إنسانية لله تعالى متمثلة في قالب بشري - القساوسة - وما تلقاه الأفراد - الالهيون - من تأثيرات لمفاهيم دينية متباينة لم تعكس أغلب الأحيان نضجاً متكاملاً قادراً على كسب الثقة بانتظام، مما حدا بذلك الى نشوء حالة من عدم التوافق في الموازين العقلية التي ساندت في تهميش دور الكنيسة شيئاً فشيئاً وظهور تلك البوادر والميول هنا وهناك، والتي استطاعت فيما بعد أن تمتلك وتستحوذ على أفكار الناس، وكما قلنا، على مختلف المستويات.
نفس الشئ يمكن قياسه على بعض الحالات التي أخذت تتصاعد وتائر انتشارها وتطبيقاتها من خلال الانطباعات التي ترد الى الأذهان منذ الصغر وعلى يد بعض معتلي المنابر ممن يؤولون ويألبون الوقائع في بعض مساجد المسلمين، ووفق ما تشتهي سفنهم. مما يجعل الفكر الانساني، لاحقاً، أن يقع تحت تأثير بعض تلك الأوهام التي طالما صورت له أشياءً عديدة كانت من نسج الخيال، فدعت الى تقبلها عنوةً، وصارت أساساً معتمداً في المناهج المذهبية المختلفة، بعدما صبت كلها في وادي واحد. وهذا بإعتقادي، كان سبباً كافياً لظهور التيار المعاكس لتلك الصور المبتدعة، هذا التيار أخذ على عاتقه - حسب رأيه - مهمة تصحيح مسار ما أخطأ به هؤلاء البعض من الالهيين. أي بعبارة أخرى يمكن لنا البت في أن حالة الرفض هذه، لم تكن لله ووجوده كما يتصوره معتنقو المذهب المادي. بل هي حالة رفض للصورة التي رسمت في مخيلات كل واحد منهم عن الله وكما نوّهنا عنه سالفاً.
يقول نابغة القرن العشرين، إينشتاين:
" في عالم مجهول، توجد قوة عاقلة جداً وقادرة. يكون هذا العالم خيرُ شاهدٍ عليها. ".
الله من وجهة نظر " اوغست كونت "
إنَّ الصورة الالهية التي كان يتصورها الناس آنذاك والتي كانت تعلل وقوع أي حدث أو فعل وتطوراته، الى وجود رغبة الله دون مقدمات في التدبير. حين كان يمثل في خيالهم، الموجود الخيالي المهول أو الساحر الذي يمد سحره من عالم الغيب فيصيب به من يشاء في عالم الطبيعة، دون حساب.
فعلى سبيل المثال، عندما كان يصاب أحد الأشخاص بالحمى، فأنه كان ينسب ذلك الى فعل الله للانتقام من ذلك الشخص بسبب سوء تصرفه أو عمله أو بسبب إضماره حقداً لأخيه أو ما شابه، ولكن بعد أن تقدم العلم وعُرف أن مرض الحمى لم يسببه الله بل كان بسبب نوع خاص من الميكروبات، هنا بات على الله أن يتراجع خطوة - في نظر الناس - مقابل التقدم العلمي الذي حصل. وعلى هذا المنوال فان كل تقدم يصيب أي نوع من العلوم ويفسر في ذات الوقت علة جديدة، فأنه سيحتم إزاحة خطوات أخرى متتالية عن الله، الى الوراء.
ولما تكشّفت للغالبية العظمى وخصوصاً المفكرين والواعين منهم، إن كل تلك العلل لم تكن من أفعال الله بالمرة، توجب إذن - في هذه الحالة - إقالة الله من منصبه الرفيع وإنهاء خدماته الى الأبد. لذلك أخذ هذا الاسلوب الفكري بالتوسع أكثر فأكثر، حتى صوّر الحياة ببعدها المادي فقط، آخذاً بنظر الاعتبار ضرورة اللجوء الى متعها الحسية الظاهرة والملموسة والترويج لها. ومعللاً في نفس الوقت، في حال عدم إمكانية نيلها والتلذذ بها على أكمل وجه من قبل البعض، فأنهم سوف يلجأون مرة أخرى الى تلك القيم المعنوية، بعدما لم يعد لهم لا حول ولا قوة إلا أملاً بها.
بمعنى أن الخطأ الذي وقع فيه " أوغست كونت " ومَنْ ناصره، أنهم أوكلوا مجموع الآثار والظواهر المجهولة العلة الى الله، وكان أن حلّ كل إكتشاف علمي جديد محل كل ظاهرة كانت مجهولة، وبهذا بدأت تضيق دائرة الوظيفة الالهية - في نظرهم - الى الحد الذي تنصل الناس عن إلههم تماماً. ذلك أنهم تصوروا أن الله يمكن أن يقف الى صف كل العلل التي كانت في نظرهم مجهولة، أو ربما أمست معلومة فيما بعد. فلا فرق.
ولهذا فإن ما دعى اليه الاستاذ المطهري وأشار له، هو:
" إنّ التصور الالهي الصحيح هو أن ننظر الى الكون من أوله الى آخره جميعاً كوحدة متناسقة خلقها الله، لا أن نركِّز على جزء من هذه الوحدة فنتساءل من الذي صنعها، أهو الله أم الطبيعة؟ فاذا لم نعرف العلة بوضوح نسبناه الى الله، أما لو عرفنا علته، قلنا هو مخلوق للطبيعة ولا شأن لله تعالى به ".
صورة الخالق الحقيقية
إنَّ على الانسان أنْ يتقبل ذهنياً وبشكل مرضي أنَ لله صورة تمثل له رمزاً أبدياً للخالق الحميم الرؤوف المحب للعدالة والمساواة، المانح للحرية والاستقلالية الفكرية في تفسير مطلق الأمور، وهو القادر على توفير الأمان والطمأنينة، والساعي الى إنبات الحب وإبذار الألفة والمبارك لوجودهما دائماً، فيعمل على سيادة كل هذه الحالات من أجل أنْ يعم العالم السلام والخير والمحبة. دون أن يرد الى أي مسمع أن يقابل عدم الامتثال أمام تحقيق إرادة الله هذه، أي شكل من أشكال المحاسبة أو العقاب المتعدد والمختلف الصنوف، والتي تتضاعف أحياناً بشكل أكبر من حجمها الحقيقي ولعدة أسباب، منها الأساليب المتلونة في تقديمها أو عرضها، تبعاً للاختلافات الفكرية لدى بعض السادات، وطرقهم في التفسير والاسناد، ناهيك عن رسوخ تقاليد وشعائر دينية لم تعد تمت لأصل الدين وغايته بصلة ولا لأصالة الوجود أو عللها. فيصير بعض ما جاء على لسان هؤلاء الدعاة من لغة التهديد والوعيد، طريقاً سهلاً يضطر الانسان الى النفور بعميق وجدانه إلى ولوجه، ودخوله دائرة التردد والحيرة وربما يصل به الأمر الى مستنقع الشك في أصالة الوجود وعدم قبوله أية معلولات مهما بلغت درجة مصداقيتها ومهما سعت من خلالها الى تخفيف حدة شكّه أو منعه لو جاز ذلك.
فلغة الوعيد تلك، تدفع الانسان الى شنّه ثورات ضد المفاهيم التي توارت خلف الاساليب المظللة لحقيقتها، عندما يجد نفسه أحد الضحايا الملزمون لتنفيذ العديد من الوصايا المتهافتة عليه. ولهذا يقول الاستاذ المطهري:
" ما أكثر أن يسلم الانسان أمام دليل لا يملك ما يردّه، ولكنه يبقى شاكّا في عميق وجدانه ويحس بشئ من عدم الرضا به ".
ما بين التوحيد والتكامل
هناك مسألة في غاية الأهمية تخص حالة التنافي بين " مبدأ الخلقة الأولى" و " مبدأ التكامل الذاتي للأحياء" ما جعل منها سبباً في لجوء العديد الى مذهب المادية والتمسك بمفرداته، فكان حالهم أشبه بمطاردين في أزقة لا يعرفوا وجهةً لهم، فكانت المادية سبيلهم الوحيد للإنقاذ والعودة الى الحياة التي نشدوها.
فكما هو معروف أنَّ الفكر الغربي بعد أفول نجم دياناته وتعرضها لاحقاً للهجمات، استند الى أحد مقولاته الشائعة والتي هي:
" مادام إنَّ الله قد أوجد كل الأشياء في العالم، فهذا يتطلب ثباتاً فيها وعدم ضرورة خضوعها الى تغييرات، أي أن التكامل فيها غير ممكن، خصوصاً التكامل الذاتي المستلزم لتغيير ماهية الشئ ونوعيته ".
وهذا ما جاء - على سبيل المثال - في نظرية دارون، التي إدّعت أنّ أصل الانسان من القرد وأن لا وجود للانسان الأول " آدم" وبالتالي فلا وجود لخالق له هو الله.
وراح هؤلاء الماديون يتأبطون نظرياتهم وأفكارهم التي هي في الحقيقة لا تبرح إلا أن تكون مجرد فرضيات قابلة للتغيير لمجرد إحلال فرضية أخرى محلها. ولكن، هنا يسأل الاستاذ المطهري - رحمه الله - فيقول:
" لنفرض أنّ ظواهر الآيات الدينية لم تكن قابلة للتوجيه والتفسير الملائم، مع فرض أنّ الانسان يعود نسبه الى الحيوان، أيضاً. وهذا سيؤدي الى إنكار ماجاءت به الكتب الدينية. ولكن، لماذا إنكار الله؟ فما هي العلاقة بين عدم قبول دين معين أو ربما جميع الأديان، وبين عدم قبول الله ؟ فهناك الكثير من المؤمنين بالله، ألا أنهم غير مؤمنين بأي دين ".
المفاهيم الاجتماعية والسياسية
إنَّ عدم نضج بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسية هي من الحالات الأخرى التي دفعت الغرب للاتجاه نحو المادية. فالحكومات الاستبدادية تسعى دوماً الى تغليف إيلائها الدنيا وشئونها المقام الأول، بعقائد وشرائع وتقاليد دينية بعيدة عن المفاهيم الحقيقية للأديان أو المعتقدات التي يؤمن بها الناس، وتحاول أن تظهر بلباس التقوى والورع أمام الأنظار، وترويجها في ذات الوقت خطورة التقرّب أو التعرّض لسياسة الحاكم، كونه مسؤولاً أمام الله فقط لا غير. وبموجب هذا الترويج فأنه ليس من حق أي فرد أن يتدخل في أعمال من اختاره الله لرعاية الأمة.
هنا سيتولد الشعور بالغبن والذي سيأخذ مداه بسرعة وينتشر بين غالبية أفراد المجتمع، بعدما فقدوا حرية التعبير وإبداء الرأي ومزاولة الأعمال بالشكل الصحيح والتمتع بالثروات التي أغدق الله بها عليهم، بالتساوي والتكافؤ، بحيث ينال الكل حقه دون نقيصة أوزيادة ووفق المعايير التي تناسب ما بين قدرات ومؤهلات كل فرد من أفراد المجتمع تناسباً منطقياً.
ولما كانت هذه الحكومات قد قامت بربط أعمالها وشئون إدارتها الدولة بالعامل الديني، ولما كان الأفراد قد أصبحوا على يقين من عدم حسن نية الحكومة في تمشية الأمور بالشكل الصحيح والسليم، وحين وجدوا أنفسهم أخيراً في مستودعات لمصادرة القيم الأخلاقية والمفاهيم الدينية والحقوق الاجتماعية ووأد الحريات كافة بوجههم، أمسوا الأوائل في الهروب من الدين والاتجاه صوب المادية، رافعين رايات العداء والعصيان ضده.
وهنا بات على الوعي الجماهيري أن يكون خارج دائرة القوانين الاجتماعية والسياسية المحيطة ببيئته المادية والفكرية، والتي اتّخذت من أسباب ولاءاتهم المطلقة عذراً خفياً للاستيلاء على الحقوق الواجب توفيرها لهم. بل عليه، أي الوعي، ضمانه التحولات الجذرية للأفراد من خلال إحداثه ثورة فكرية تغير من آفاق الانسان لها، وتمكّنه من فرض نقوده وتحليلاته لأساليب عمل الحكومة فيما لو أخفقت أو قصّرت، والعمل على إسقاط القيود التي سعت دوماً لمحاصرة سيد الوجود، العقل.
وعليه فأن إمكانية قيام نظام اجتماعي يعدّ بمثابة دين قويم يحمل في ثناياه أفكاراً وآراءً حرة، سوف يشجع كل أفراد المجتمع على أخذ دورهم الصحيح في البناء التحتي والفوقي للبلد.
حينها ستكون الصورة المثالية الحقيقية الصادقة للحاكم واضحة دون أن يشوبها تخديش لأي سبب كان، فتلمع أكثر وتصبح براقة أكثر، وسوف تشع بنورها، فيعم كل الأطراف، فيساعد هذا، على خلق ردود أفعال ايجابية للمجتمع، فيتمسك حيالها بالحاكم أكثر ويقوى إيمانه به، كونه الممثل الشرعي والقانوني للقيم الدينية والاجتماعية التي نادى وينادي بها.
[1] قبس من حياة الشهيد المطهري، ص23، بتصرف.[1] المصدر السابق.
Thebigheart_2@yahoo.com
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):