سياسة النعامة والانتقائية تجاه الأخطار الإيرانية : هذه هي سياسة السيد عمرو موسى وجامعته، - إلا حالات نادرة جدا.
إيران دولة محتلة. وإيران تتدخل في العديد من دول المنطقة، كالعراق ولبنان وغزة واليمن والصومال. وإيران صارت اليوم قادرة على إنتاج القنبلة النووية، لتزيد غطرسة وعنجهية وتحديا للعرب والمجتمع الدولي.
أمين الجامعة دعا لنظرية "الجوار العربي" وضرورة "الحوار" معه، قاصدا نظام الفقيه بالذات. ولكن السيد موسى لم يفتح يوما فمه لإدانة التدخل الإيراني في شؤون المنطقة العربية، ولا قال كلمة تبين محاذير النووي الإيراني، ولم يدع يوما لاجتماع لبحث احتلال إيران لجزر الإمارات الثلاث. ومن الدول العربية من راحت تركض إلى طهران لعقد اتفاقات " أمنية"، تطبيقا لحكاية "حاميها حراميها"، متوهمة أن هذه الإستراتيجية كفيلة بتجنب شر الخطر الإيراني، دون أن تعلم أن مثل هذه السياسة المتراخية تشجع نظام الفقيه - باسدران على المزيد من الغلو وسياسة القوة.
أما الإعلام العربي، ومع استثناءات، فتتصرف وكأن ليس هناك خطر على العرب وامن العالم من النووي الإيراني ومن التدخل في شؤون المنطقة، ولسان حال أبطال هذه المؤسسات هو أنه ما دامت إيران تعلي الصوت دوما ضد إسرائيل، فهذا يكفي للسكوت عن خطرها. ويكفي أن يصرخ خامنئي أو أحمدي نجاد بأن إسرائيل إلى زوال، أو "صواريخنا تدمر إسرائيل"، حتى يرقص كثرة من الصحفيين العرب نشوة وسعادة لوجود "منقذ" فلسطين الموجود في "الجوار".
لقد كانت لدولة الإمارات العربية الجرأة على المطالبة مجددا بجزرها المحتلة، والتي تعمل إيران حثيثا على ضمها نهائيا بإقامة القواعد العسكرية فيها. وكانت لوزير خارجية الإمارات الشجاعة الوطنية والقومية ليصرح علنا بأن احتلال إيران لجزر الإمارات لا يفرق عن الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية وفلسطينية، وأنه لا توجد أرض عربية أغلى من سواها. وكان الجواب الإيراني تهديدا بأن "الشعب الإيراني هو الذي سيرد على أية تصريحات مماثلة في المستقبل."!!
إن صرخة الوزير الإماراتي لم تحرك همة عمرو موسى وجامعته، وربما هناك كثيرون من هاجموا مع أنفسهم أو في دوائرهم وزير الإمارات. وقد قال الأستاذ عبد الرحمن الراشد، بحق، إن على العرب ألا يفرقوا بين جزيرة أبو موسى والقدس، " ولا يكفي أن يكون الطرف الفاعل إسرائيل حتى يعتبر عدوانا"، أما عدوان غيره فليس بعدوان، ولا تبرر للمعتدي مواقف الإعلان [الغوغائي والمرائي ]عن تأييد القضية الفلسطينية حتى يحل له ارتكاب جرائم ضد عرب آخرين. وإذا كانت قضية إسرائيل مع العرب هي الاحتلال وعرقلة قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن قضية إيران هي أوسع. إنها قضية التدخل في مجمل دول المنطقة، وحتى التآمر على مصر نفسها- فضلا عن دعم المليشيات الإرهابية والتحالف مع فريق من "القاعدة"، وضخ الأموال بمئات الملايين سنويا على كل طابور خامس لها في أكثر من بلد عربي. وقد أكد تقرير وزير الدفاع الأميركي إلى الكونغرس بأن إيران تمول "حزب الله، شريكها الإستراتيجي" بما يعادل 200 مليون دولار سنويا، وأن حزب الله بدوره يقوم بتدريب مليشيات شيعية عراقية في معسكرات خاصة داخل إيران وخارجها. وإنها تدعم مجموعات مسلحة في لبنان والأراضي الفلسطينية وأفغانستان- ونضيف نحن دعم الحوثيين في اليمن. وتزود إيران، من خلال حراس الثورة وفيلق القدس، المليشيات التابعة لها في العراق- [ كعصائب أهل لحق وجيش المهدي وفرق الموت في الجنوب وغيرها]- بمتفجرات ذات قوة اختراق متطورة مع أجهزة تحكّم لاسلكية، وأسلحة مضادة للطيران وصواريخ من عيار 107 و122 ملم. كما يقوم الحرس الثوري، وبمساعدة مدربين لبنانيين من حزب الله، على تدريب إرهابيين عراقيين داخل إيران على تكتيكات الخطف واستخدام المتفجرات. وتشرف عناصر من الحرس على تدريب حوالي ثلاثة آلاف أو أكثر "مقاتل" من حزب الله في معسكرات لبنانية.
هذه بعض الوقائع، وليس جميعها، عن الدور التخريبي لإيران في العراق والمنطقة العربية.
أما عن المشروع النووي الإيراني، فهو يمتد لزمن خميني، ولم يلفت نظر المجتمع الدولي إلا في 2002 زمن حكومة محمد خاتمي "الإصلاحي"- علما بأن الطبقة الحاكمة الإيرانية، بمختلف أجنحتها، متفقة على البرنامج وأهدافه العسكرية. وقد اضطر مجلس الأمن عام 2006 إلى اتخاذ سلسلة عقوبات ولكنها لم تردع النظام الإيراني. وقد استثمرت إيران رخاوة المدير العام السابق لوكالة الطاقة الدولية، الدكتور البرادعي، وتساهله الملفت للنظر للمضي قدما في مشروعها نحو القنبلة. وقدمت مجموعة دول 5+1 سلسة حوافز مغرية لإيران لتكف عن التخصيب الداخلي، ولكنها كانت ترفض وتتلاعب بالوقت وتناور. وقد ساعدتها سياسة الرئيس الأميركي الجديد منذ توليه الرئاسة، ولحد اليوم. وكانت التقارير الاسستخبارية السرية الفرنسية والبريطانية تؤكد في منتصف العام المنصرم على قدرة إيران اليوم على إنتاج القنبلة. وتبعت هذا التأكيد تصريحات عسكرية أميركية نفذت أخبارها للصحف رغم أن الإدارة الأميركية حاولت، ولا تزال تحاول، التهوين من القدرات النووية الإيرانية. كما نذكر اعتراض فرنسا ودول أخرى على البرادعي في منتصف 2009 لأنه لم يوزع تقريرا سريا يؤكد توصل النظام الإيراني إلى مرحلة القدرة على تصنيع القنبلة.
وردا على قمة واشنطن ضد الإرهاب النووي، عقدت طهران مؤتمرا عن السلاح النووي، هرع للمشاركة فيه ممثلو الدول العربية،ومنهم وزراء، بينما أحد أهداف القنبلة الإيرانية هو تخويف الدول العربية وابتزازها وفرض المزيد من التنازلات عليها وتطويعها. وكم آلمتني مشاركة الحكومة العراقية ومناظر الجلسات مع أحمدي نجاد، الذي راح يعربد بأن حاملات الطائرات الأميركية هي مجرد "طناجر"، ومهددا بإبادة إسرائيل في حالة " تعرضت إيران للعدوان". فالمغالطة الإيرانية تشبه مغالطات صدام حين هدد بتدمير "نصف إسرائيل" "فيما لو تعرض العراق للعدوان"، وكأن النظام العراقي هو من كان مهددَا وليس العكس تماما، كما برهن غزو الكويت تاليا. واليوم تروج إيران وأبواقها العربية وغير العربية، [ ومنهم باتريك سيل، الموالي الأبدي للنظام السوري]، وكأن إيران مهددة بالوجود العسكري الأميركي في العراق، وأنها في موقف دفاعي بحت؛ أقول تألمت لوجود وزير العراق جالسا مع نجاد، وكأنه نسي التخريب الإيراني وتسليح المليشيات، وتعطيش وادي الرافدين وسرقة المياه، واحتلال فكة المؤقت، والطمع في جزيرتي أم الحبابي وأم الرصاص والمطالبة بهور العمية. ثم هل خفيت عنه مآسي المهجرين العراقيين الكورد المتبقين في إيران، من أنواع التضييق والقسر التي كشف عنها مؤخرا الوكيل الأقدم لوزارة الهجرة والمهجرين؟؟!!.
إن سياسة الخوف والنعامة العربية، وممالئة بعض الأنظمة العربية لإيران، وعلى رأسها سوريا، والانطلاق العربي من التصريحات الغوغائية الإيرانية ضد إسرائيل، تجعل الأنظمة العربية ووسائل الإعلام العربية تنتهج موقف الصمت أو التهوين والتلطيف من المخاطر الإيرانية. ويكفي أن ينشر هذا الصحفي أو ذاك معلّقة كل يوم في ذم إسرائيل والتباكي على القدس، لتبرير التغاضي عن الخطر القادم من الجارة الشرقية. وقد كتب صحفي عربي موضوعي منذ أيام في صحيفة "الحياة" أن إيران تريد من العرب التسليم بكل ما تفعله بذريعة العداء لإسرائيل، وتطرح الأمور كما لو أن إثارة مشاكل السياسات والمواقف الإيرانية "تصب في خدمة إسرائيل والولايات المتحدة، وليصبح الجوار العربي بين خيار عدم مساءلة إيران عن سلوكها وسياستها أو خدمة مصالح إسرائيل والغرب والوقوع في الخيانة."
هذا ولنا عودة قريبة لهذا الموضوع، الذي أرجو أن يواصل كتابنا الموضوعيون تناوله بوضوح...
عراق الغد - في 25 نيسان 2010
التعليقات (0 تعليقات سابقة):