أطماع إيرانية مزمنة..
رفع خميني بعد انتصاره شعار "تحرير القدس يمر بكربلاء"، وهو شعار لا يعني تحرير القدس بقدر ما يعني أن كربلاء، بل وكل العراق، جزء من إيران! إنها نفس أطماع الشاه، الذي أراد لعب دور دركي الخليج، وورث عنه نظام الفقيه ذلك الميراث التوسعي المشئوم.
إن احتلال بئر فكة كشاف حتى لو انسحب جنودهم نهائيا، علما بأن إيران تعلن صراحة أن المنطقة منطقتهم والأرض أرضهم.
احتلال أراض عراقية في فكة كشاف لأنه يفضح من جديد أطماع إيران في العراق، ولأنه تصعيد في الاستهتار والغطرسة الإيرانيين، وإمعان في التدخل في العراق.
العراق، في الواقع، محتل إيرانيا قبل فكة: محتل سياسيا، وأمنيا، وتجاريا، ولغويا، ونقديا. فإمارة البصرة، مثلا، التي يحتل حزب المالكي معظم مقاعد محافظتها، تكاد تتحول لولاية إيرانية: النقد الإيراني عملة ماشية؛ اللغة الإيرانية دارجة؛ الممارسات الاجتماعية التي يفرضها مجلس المحافظة تزايد مع الجاري في إيران: من رقابة على الإعلام والمطبوعات، وفرض الحجاب، وأوامر عن اللحى والحلاقة، ومنع بيع الخمور، ألخ.. وفي محافظة واسط ومحافظة بابل نجد الوضع مشابها. أما النجف وكربلاء، فالشركات الإيرانية هي صاحبة العقود، واللغة الإيرانية ازدادت استعمالا عن الماضي، وفي النجف تم ابتكار بنك للنساء وحدهن!
أما على الصعيد السياسي والأمني، فمعروفة أدوار إيران وجنرالها العتيد سليماني في الساحة السياسية، وتسليح المليشيات كعصائب الشر ولواء اليوم الموعود. ومنذ 2006، خصص أحمدي نجاد بندا سريا في الميزانية الإيرانية بمليار دولار للصرف على الأطراف والتنظيمات والجمعيات الموالية لإيران في العراق.
إيران تمعن في الغطرسة، لا في العراق وحسب، بل وعلى نطاق المنطقة كلها، وصولا لليمن والصومال وحتى جزر القمر- هذا فضلا عن هوسها النووي، الذي يكاد ينتهي بالقنبلة، كما كشفت من جديد صحيفة التايمز اللندنية، ومن قبل، تقرير سري لمنظمة الطاقة، كان محمد البرادعي المدير العام للوكالة حينها، لم يلحقه بالتقرير الرسمي ولكن أمره تسرب لوكالة الأسوسيتد بريس قبل شهور، وحيث أكد على إمكان إيران، منذ ذلك الوقت، صنع القنبلة لو أرادت.
الحقيقة، أن ما يشجع إيران على المضي في التدخل في العراق والعدوان عليه هو الموقف الضعيف جدا - [ وهذا أقل ما يمكن قوله] - للحكومة والقيادات الحاكمة. فالقرى الكردستانية تقصفها إيران باستمرار منذ سنوات بلا احتجاج، لا من الحكومة ولا من البرلمان ولا حتى من الجبهة الكردستانية. وضباط البادساران يدخلون العراق لأغراض أمنية وتعتقلهم القوات الأميركية، ولكن الحكومة العراقية سرعان ما تطلق سراحهم. ومقتدى الصدر لا يخفي ولاءه الأوحد لإيران ولكنه ذو صولات وجولات في السياسة والبرلمان، ويعلن جهرا عن جيشه الجديد الموجه ضد القوات الأميركية. وأبواب العراق مفتوحة لموجة بعد موجة من "الزوار" للعتبات المقدسة، والذين تدس بينهم إيران المئات من عناصر مخابرات الباسداران. والحكومة تتعامل مع العدوان الجديد كمجرد خلاف جانبي. ولكن كيف كان يجب أن تتعامل إيران مع قضية خلافية "جانبية"؟ هل بالغزو؟ أم بالمباحثاتـ ، والاتصالات ونحن نرى الزيارات بين الجانبين لا تكاد تنتهي؟
أما أكثر ما صار يشجع إيران على الغطرسة في العراق والمنطقة، فهو غياب الردع الدولي، والأميركي على وجه أخص. فلحد اليوم، لم نسمع من إدارة أوباما، وبعد كل فشل المحاولات الدبلوماسية الدولية مع إيران، غير إطلاق تهديد باهت بفرض عقوبات جديدة، في حين نجد الخلافات عن العقوبات داخل الاتحاد الأوروبي، وها هي السويد، حمامة السلام، تحذر من العقوبات - هذا فضلا عن الصمت الدولي عن الغطرسة الإيرانية في المنطقة. إن ثمة مبررات للقلق من مواقف إدارة أوباما في المنطقة فيما لو واصلت سياستها الحالية المجاملة لإيران، أو فلنقل سياستها غير الواضحة .
نعم، هناك فعلا احتلال إيراني للعراق قبل بئر فكة وبلا بئر فكة. وإذا كان مفرحا أن نسمع اليوم احتجاجا ما عراقيا حول فكة، وهو موضع ترحيب، فلابد من وقفة حازمة إزاء مجمل التدخل الإيراني في العراق، وتجاه تحويل مجاري الأنهار وما يعنيه من عطش وتجفيف. لابد من طرح قضية التدخل الإيراني وقطع المياه على المحافل الدولية، وتقديم شكاوى بهذا الشأن، وعدم الاكتفاء بشكوى سوريا، وهي حليفة إيران وشريكتها بامتياز.
حكومة المالكي اعتادت الحديث عن تدخل "دول الجوار"، ولم تخص بالذكر غير سوريا، التي كان معروفا تسلل الإرهابيين منها منذ سقوط صدام وقبل الاتفاقيات "الإستراتيجية" التي عقدها المالكي في دمشق عشية الأربعاء الدامي. طبعا لا ذكر لإيران في كل الاتهامات المتواترة، ولكن، وعدا سوريا، ثمة اتهامات مبطنة أو تلميحية، إما للسعودية أو الإمارات أو قطر، أم جميعها. فإذا كانت ثمة أدلة صلدة عن تدخل إحدى هذه الدول، فالأحرى كشفها للرأي العام العراقي ليعرف من أين تأتيه الضربات. أما إن كانت مجرد اتهامات اعتباطية للتغطية على التدخل الإيراني، فتلك فضيحة كبرى، فالأزمة العراقية الساخنة بحاجة لوضع النقاط على الحروف، سواء مس النقد الحكومة أو المالكي نفسه أو أية دولة مجاورة تضر بمصالح العراق، عربية أو غير عربية. وهذا مطلوب أيضا من كتابنا المنصفين: أي الاستناد للحقائق وعدم الانجرار وراء البيانات والتصريحات الملتبسة للحكومة.
نرى أخيرا الاستشهاد بمقال للخبير الإيراني المعروف بعنوان "المخطط الإيراني الكبير"، [ الشرق الأوسط في 13 نوفمبر المنصرم].
يقول طاهري:
" في أعقاب اتفاقيات عام 1975، التي أدت إلى استعادة العلاقات بين العراق وإيران بعد سنوات من العداء، حاول الشاه إحياء الوجود الإيراني في العراق عبر التجارة والحج والتواصل الثقافي. تمثلت الفكرة، التي حاول الشاه تحقيقها، في إغراق المدن العراقية بالحجاج والسائحين الإيرانيين مع ضمان اضطلاع إيران بدور كبير في الاقتصاد العراقي. وانتهى هذا المخطط عام 1979 بسيطرة الملالي على السلطة في إيران. من جهته، لم يرغب حاكم إيران الجديد، آية الله روح الله الخميني، في التمتع بنفوذ داخل العراق فحسب، وإنما رغب في السيطرة عليه. كانت أطماع إيران الشرارة التي أشعلت حرب عام 1980، والتي، رغم أن الذي بدأها فعليا كان صدام حسين، فإن آية الله هو الذي عمد إلى إطالة أمدها حتى 1988."
إن الإطاحة بصدام أرعبت إيران وبقية دول المنطقة، وقد خافت هذه الدول من قيام ديمقراطية قوية ومزدهرة في العراق، تمتد "عدواها" لإيران والمنطقة. ولكن الذي حدث- مع الأسف - هو هيمنة الأحزاب الدينية القريبة من إيران، ولم تتحول العملية السياسية الراهنة لعملية ديمقراطية، ورغم عدة انتخابات، وذلك بسبب التدخل الإقليمي وقوى الإرهاب المتعدد الرؤوس،[ إيرانية الصنع والولاء، وبعثية صدامية، وقاعدية]، وخصوصا بسبب طغيان الطائفية بشقيها، والمحاصصة، وتدخل المرجعيات الدينية في السياسة، وسن دستور أحكام الشريعة، والعدوان على حقوق المرأة. ولابد من التأكيد هنا على أن سلبية الدول العربية والجامعة العربية من العراق الجديد على مدى سنوات بعد سقوط صدام، ولحد صدور فتاوى دينية عن "شرعية المقاومة العراقية"، كان عاملا مهما في تشجيع التغلغل الإيراني.
من حسن الحظ أن البرلمان رفع صوته أخيرا، وقرأنا عن مظاهرات احتجاج في الناصرية، وسمعنا أصوات تنديد عراقية أخرى. فعسي أن يصحو النيام والمتناومون!! فهل سوف نقول لهم " صح النوم"؟!
خاص بعراق الغد- 23 ديسمبر 2009
- • الشبه الكبير بين طارق نجم عبد الله وعبد حمود
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • صوت للغد العراقي المشرق
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • ادعمو رحمة رياض احمد من اجل الفوز في ستار اكاديمي
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (2 تعليقات سابقة):