في ذكرى سقوط الدكتاتورية الصدامية : القوى السياسية العراقية بين توطين الأزمة وإرادة الحل
القوى السياسية وطبيعة الأزمة
أغلب المدارس والقوى السياسية العراقية هي المنتجة لأزمة انهيار الدولة،.. إيديولوجيتها السياسية، خطابها وبرامجها البنيوية، وتكتيكاتها وتحالفاتها.. هي المنتجة لأزمات الدولة التأريخية والراهنة.
تأريخ الدولة العراقية سلسلة أزمات متناسلة، وانهيارها في التاسع من نيسان 2003 نتيجة حتمية لمسلسل أزماتها المزمنة بفعل سوء مرتكزاتها وسياساتها التي استندت التمييز والاستبداد والمغامرة والاستلاب والتماهي،.. وأغلب المدارس السياسية هي المسؤولة عن تناسل الأزمات.
إسقاط النظام كشف طبيعة الأزمة العراقية، وكشف أنها أزمة دولة وليست أزمة تغيير نظام سياسي، وجميع الأزمات المتتالية.. تؤكد حقيقة أنّ الأزمة أزمة دولة بجميع مكوناتها من إقليم جغرافي ونظام سياسي ومجتمع إنساني وأمة سياسية وهوية وطنية، وهي أزمة معايير ورؤى وسياسات أنتجتها القوى المعنية بفعل الدولة.
مناشىء الأزمة
أزمات العراق المزمنة، نتاج معقد اشتركت فيه المدارس والقوى السياسية قبل غيرها وعلى طول عهود الدولة العراقية، إنّ أهم المناشىء المنتجة للأزمات، هي:
أولاً: فشل مشروع الدولة الوطنية، بسبب الفشل بإنتاج المجتمع كجماعة إنسانية، والفشل بإنتاج الدولة كجماعة سياسية. يعود هذا الفشل بالأساس لفشل المدارس البنيوية (وما أنتجت من قوى وأحزاب سياسية) المتعاقبة على حكم العراق والمشتغلة في ميادين السلطة والثقافة والاقتصاد..الخ. وهو فشل بنيوي حطّم مرتكزات بناء الدولة وحوّلها إلى مجرد سلطة على المستوى السياسي، وإلى مجرد جماعات على المستوى الاجتماعي، وإلى مجرد عصبيات وعصبويات على المستوى الإثني.
يعود فشل مشروع الدولة بالأساس إلى إقصاء المواطنة كوحدة بناء وولاء للجماعة السياسية المشكّلة للدولة، حيث تم اعتماد الوحدات العرقية والطائفية والجهوية في تنظيم علاقة الدولة برعاياها وفيما بينهم، الأمر الذي أدى إلى فشل تماسك الجماعة السياسية المنتجة للدولة من خلال ارتاد المواطنين إلى هوياتهم الطائفية والعرقية الضيقة وثقافاتهم الفرعية المنقطعة، وهو ما أدى إلى فشل مشروع الدولة، فعندما تفشل الدولة بالاعتراف بمواطنيها على قدم المساواة.. سيرتدون إلى الوراء للبحث عن الاعتراف، وهو ما أدى إلى إحياء الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
فشل الدولة كجماعة سياسية، صاحبه وبالعمق فشل المجتمع كجماعة إنسانية، وهو ما أدى إلى التضحية بهما معاً. إنَّ المقاربة هنا تقول: أنّ المجتمع ينتج دولة، والجماعة تنتج سلطة، والمجموعات تنتج سلطات،.. والاختلاف جوهري بين ما تنتجه هذه الأشكال من سياسة وثقافة، وبالنتيجة من انتماء وولاء،.. من هنا يمكن الحكم بأنَّ الفشل بإنتاج الدولة يكمن في الفشل بإنتاج مجتمع. إنّ مدارسنا الفكرية والسياسية لم تنجح بإنتاج مجتمع وطني معبر عن جميع أطيافه وشرائحه.. فالدولة نتاج مجتمع، ولا يمكن إنتاج المجتمع الوطني إلاّ على وفق حزمة من قيم المساواة والتكافؤ والعدالة والحرية، وعلى وفق مبادىء المواطنة والديمقراطية والتعايش والتنمية،.. فهذه القيم والمبادىء هي الأسس القادرة على إنتاج مجتمع متوحد فعّال، وبإقرارها واحترامها وتفعيلها سياسياً وقانونياً وثقافياً تنتج الروح الكلية للمجتمع على تنوع أطيافه، وعلى أرضية هذه الروح الكلية الناتجة عن الكل والمحققة لمصالح الجميع تنتج الهوية والخصوصية بالتبع، وهو ما يشكّل الأساس الطبيعي لقيام الدولة، باعتبار أنّ الدولة هي الجماعة السياسية الوطنية.
فيما لو فشل المجتمع بإنتاج ذاته على أسس المواطنة والديمقراطية والتعايش.. فسيبقى مجتمعاً تقليدياً في بنيته، يستند مفهوم وثقافة وولاء الجماعة الإثنية والطائفية والعرقية الضيقة التي لا ترى غير إطارها الخاص ولا تدافع إلاّ عن مصالحها الذاتية،.. وبالنتيجة سيتم تغليب الجماعة على المجتمع كمفهوم واستحقاق، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تغليب السلطة على الدولة، فالسلطة هنا مركز للحكم الضيق المستند إلى عرق معين أو طائفة خاصة على حساب باقي الأعراق والطوائف، وهو ما يؤسس لسلطة الجماعة لا دولة المجتمع. ومع غياب الدولة لحساب السلطة، وغياب المجتمع لحساب الجماعة.. تتعدد مراكز السلطة بتعدد الجماعات الإثنية والطائفية، ثم تتعدد السلطات بتعدد مراكز القوة والنفوذ والمصالح داخل الجماعة الإثنية أو الطائفية الواحدة،.. والناتج قيام سلطات بعدد المجموعات داخل الجماعة الطائفية والعرقية،.. وهو ما سيؤدي ليس فقط إلى تفكك الدولة وتلاشي وحدة السلطة بل سيقود أيضاً إلى تكريس السلطات المتكثرة بكثرة المجموعات التي ستطغى لتبتلع المجتمع ككيان ووظيفة. إن انهدام وتشيؤ المجتمع بشقيه الإنساني والسياسي، لا يقضي فقط على الدولة كجماعة سياسية، بل على المجتمع أيضاً كجماعة إنسانية،.. وستكون المحصلة خلق مجتمع اللادولة ودولة اللامجتمع.
ثانيا: تضارب رؤى وإرادات ومشاريع إنتاج الدولة طيلة عهودها الحديثة وحتى يومنا هذا، ما أفقدها استقرار التأسيس ونمو التكامل. وصاحب -وما زال- عملية سقوط الدكتاتورية في 2003 تضارباً مريعاً في رؤى وإرادات ومشاريع إعادة إنتاج المجتمع والدولة هويةً ونظاما، على مستوى القوى السياسية ذاتها،.. ولأسباب عديدة: تأريخية وراهنة، ذاتية وموضوعية، وطنية وخارجية، ناجمة عن أخطاء أو خطايا، عن وعي أو جهل،.. نتج لدينا التضارب والتناقض المريع جراء حرب الرؤى وصراع الإرادات وتناطح المشاريع،.. وما نعيشه هو دليل على تزاحم القوى وصراع الأجندات في إعادة بناء العراق.
لا يمكن للمجتمع التوحد والاستقرار، ولا يمكن للدولة التماسك والبقاء، فيما لو افتقدا وحدة التصور وتناغم الإرادة للبدء بمشاريع البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي،.. وبالتبع، لا يمكن الحديث عن هوية الدولة وشكل النظام وطبيعة المجتمع مع فقدان وحدة التصور والإرادة،.. والقوى السياسية هي المعنية بالأساس لتوحيد رؤاها وإراداتها لحسم هذا التضارب على أساس من المسؤولية التضامنية لإعادة بناء المجتمع والدولة.
ثالثاً: ضعف الحواضن والبنى الإقتصادية والخدمية والأمنية، إذ لا يمكن الحديث الجاد عن إعادة إنتاج المجتمع والدولة وسط ضعف النظام الاقتصادي والخدمي والأمني. للدولة ثلاث وظائف أساسية لنجاحها: الاعتراف بمواطنيها على قدم المساواة، وحمايتها لهم من خلال احتكارها للقوة، وتوفير الخدمات على تنوعها،.. وفيما لو فشلت الدولة بأي من وظائفها فلن تتماسك. كما ليس للمجتمع من البقاء والتكامل فيما لو انهارت منظومات الاقتصاد والخدمات والأمن التي بها ومن خلالها تقوم وتتقوم الحياة على تنوعها،.. والقوى السياسية المعنية بفعل السلطة هي المسؤولة بالدرجة الأساس عن تكامل هذه البنى والحواضن.
رابعاً: التوازن السلبي بين القوى السياسية المنتجة للقرار على مستوى الدولة،.. لقد نتج هذا التوازن السلبي جراء اعتماد الديمقراطية التوافقية، فأنتج فقدان عامل الحسم في إدارة الأزمات وحسمها،.. وساعد في ذلك قانون إدارة الدولة والاتفاقات التوافقية بين الكتل والقوى السياسية (وثيقة الإصلاح السياسي نموذجاً) ما عطل الحياة السياسية وانسيابيتها.
خامساً: الانقسامات الوطنية الطائفية والعرقية،.. صحيح أن من أهم تركات الدولة العراقية تمثلت بالتمييز والإقصاء العرقي والطائفي ما أضعف روح المواطنة وحجّم من تماسك الأمة السياسية، وصحيح أن بقايا النظام المباد ومراكز الإرهاب قد عملا بعد التغيير على ترسيخ الإنقسامات المجتمعية والوطنية،.. إلاّ أن الصحيح أيضاً أنّ بعض القوى السياسية قوى سياسية عرقية أو طائفية منغلقة رسخت الانقسامات الوطنية، مما عطّل وحيّد دور المجتمع في إعادة إنتاج نفسه ودولته.
سادساً: تمركز الإرهاب في العراق كقوة تعطيل وتخريب للبديل السياسي والحضاري المراد إنتاجه بعد التاسع من نيسان 2003،.. والإرهاب أعقد من كونه تمركزاً لجماعات تكفيرية هنا وهناك، بقدر ما هو منظومة تغذيها ثلاثة عوامل لإفشال التجربة العراقية، وهي: حواضن الإرهاب الإقليمية والدولية المنتجة للفتاوى والتنظيمات، شبكة المؤسسات (الدينية والعلمانية) المعارضة لتغيير نمط الدولة العراقية التقليدي، والإعلام المضاد. وبعض القوى السياسية هي المسؤولة عن تمركز الإرهاب وما نتج عنه، إما باستدعائه، أو بالفشل في مواجهته.
الأزمة وموقف القوى السياسية
رغم التقدم الحاصل هنا وهناك في أكثر من ملف من ملفات إعادة البناء للمجتمع والدولة، إلاّ أنّ العراق لم يخرج من أزمته البنيوية المتصلة بإعادة بناء المجتمع والدولة،.. وهنا، فالقوى السياسية هي المعنية بالأساس لإعادة إنتاج رؤاها وسياساتها، وهي المعنية بإدارة الأزمات.
تتطلب الأزمة العراقية تعاطياً نوعياً من قبل القوى السياسية الوطنية، تتمثل:
أولاً- الارتفاع لمستوى الأزمة، وعياً وتخطيطاً وأداءً بمستوى بنيوية وكونية القضية العراقية بكافة ملفاتها وتشعباتها وتداخلاتها الداخلية والإقليمية والدولية، وأدنى قصور وتقصير في الوعي والتخطيط والإدارة للأزمة، سيفقدنا القدرة على كسب الرهان الدولة.
ثانياً- تضامنية أطراف الأزمة، بما تعنيه من تناغم رؤى وحلول جميع الأطراف المتصلة بالأزمة لمستوى حجم القضية ولمستوى الإدارة الكونية لها، فلا يمكن إدراك النجاح فيما لو تضاربت الرؤى والحلول أياً كانت أطراف الأزمة.
ثالثاً: اشتراطات النجاح في تجاوز الأزمة، في طليعتها: السلم كأساس في إدارة الخلاف، وطنية الإرادة، الإستعداد للتنازل، التحرر من الشخصنة والإقصاء، والاحتكام الى الشعب في تقرير المصير الوطني. كما لا مناص من اقصاء المحاصصات السياسية الطائفية، ونبذ تخندق الهويات الفرعية المؤسسة على الولاء الضيق، والتحرر من سياسة ابتلاع الدولة لصالح سلطة العرق أو الطائفة أو الحزب، وإشاعة قيم التعايش والتسامح على أرضية الاعتراف بالآخر واحترام خصوصياته.
ابتلاع القوى السياسية للدولة.. تحذير
تبتلى الدول بظاهرة ابتلاع القوى السياسية لها، لتتحول إلى دولة الحزب الواحد، أو دولة أحزاب، لا أحزاب الدولة. وقد تستغل -الأحزاب- شرعيات زائفة كالشرعية الثورية والتأريخية، أو حتى الشرعيات الحقة كالشرعية الديمقراطية لتحقيق أهدافها الابتلاعية،.. على النقيض من أحزاب الدولة التي تؤسس كيانها وسياساتها على المواطنة والديمقراطية وما تنتجهما من أنظمة دستورية وقانونية ومؤسساتية وحياة سياسية صحية.
لقد رأينا كيف تم ابتلاع الدولة حزبياً في العديد من تجارب الدول، فقد استخدمت الشرعية الثورية -باسم القضية الفلسطينية وقضايا التحرر- في ابتلاع الدولة كما في تجربة حزب البعث الصدامي الذي جاء إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري ولم يخرج من السلطة إلاّ بنحر الدولة،.. ورأينا كيف تم استغلال الشرعية الثورية في ابتلاع الدولة كما في تجربة الأحزاب الشيوعية في الإتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والتي لم تغادر سدة الحكم إلاّ بثورات جماهيرية حررت الدولة من ظاهرة الابتلاع الحزبي... ورأينا كيف تم استغلال حتى الشرعية الديمقراطية التمثيلية في ابتلاع الدولة ونحرها كما في تجربة الحزب النازي الهتلري. والدرس المستفاد هنا، أن ظاهرة ابتلاع الأحزاب للدولة ظاهرة يمكنها أن تعتاش وتنمو في ظل ظروف سياسية مختلفة، فيما تؤدي إلى ذات النتائج الكارثية.
تزداد ظاهرة ابتلاع الأحزاب للدولة في الدول حديثة التكوين، وتلك التي تعيش مخلفات الإستبداد السياسي والتمييز الاجتماعي والتخلف الإقتصادي والركود الثقافي، فتعيد إنتاج الدكتاتورية التي تبتلع المجتمع والسلطة والدولة وتنتج على وفق قياسات ومقاسات الحزب القائد، لتبرز ظاهرة تحزّب الدولة وتجييرها وابتلاعها، بما يقضي عليها ككيان أمّة، ويصادر حياديتها وأبوّيتها واللتين هما شرطان أساسيان لاستقلالية شخصيتها المعنوية والقانونية، ولازمتان ثابتتان لشرعية تمثيلها للكل الوطني المنضوي تحت خيمتها.
الأحزاب السياسية من لوازم تشكيل النسيج السياسي للسلطة في الدولة الحديثة، على أساس إنَّ الحزب وحدة مدنية سياسية تستهدف إدارة السلطة على وفق برنامج سياسي اقتصادي محدد، وهنا فإنّ دائرة الحزب يجب أن تشتغل بالسلطة (الحكومة) لا أن تتماها بالدولة، وعلى أساس من مبادىء التداولية السلمية وخضوعها لمؤسسات الدولة الدستورية والقانونية، وأي تمدد لرقعة وجود الحزب على حساب الدولة ومؤسساتها وهيئاتها سيقضي على مشروع الدولة.
عانت الدولة العراقية من ظاهرة ابتلاع الأحزاب لها، والمشكلة تتعقد فيما لو كانت أحزاب إيديولوجيات شمولية متماهية مع العقيدة أكثر من كونها أحزاب برامج سياسية براغماتية مندكة بشروط إنتاج الواقع المعقد والمتحرك والملتهب، وفيما لو كانت أحزاب هيمنة في رسم خارطة النفوذ داخل أطر سلطات المجتمع والدولة، والأهم من ذلك كله، فيما لو كانت أحزاب هويات وثقافات فرعية لم تستطع تجاوز تخوم الطائفة والعرق لإنتاج هوية وطنية عراقية تسمو على العصبيات والعصبويات التأريخية والراهنة، عندها ستبتلع ليس السلطة فقط، بل ستبتلع حتى الطوائف والأعراق والمجموعات المحلية من خلال تصدرها المشهد كأحزاب مدافعة عن هذا المكوّن الاجتماعي أو ذاك، وتعاطيها مع الدولة كسلطة مجردة تعتمد مبادىء المحاصصة.
القوى والأحزاب السياسية العراقية اليوم معنية بإعادة إنتاج خطابها وبرامجها وسياساتها بما يحولها الى أحزاب دولة قادرة على التعاطي ومهام إعادة التأسيس للمجتمع والدولة بموضوعية وحرفية ووطنية عالية،.. ومعنية بالدرجة الأساس لعدم تكرار لعبة ابتلاع الدولة، ومعنية قبل غيرها بإزالة مصدات العملية السياسية من خلال إعادة تمثلها لمهامها التأريخية لبناء دولة وطنية مدنية ديمقراطية راسخة،.. هذا هو التحدي الأهم الذي يواجه قوى العملية السياسية اليوم.
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):