حقبة (المانيفست)
(المانيفست) الذي نتحدث عنه، لايمت بصلة الى ذلك (المانيفستو) الذي وضعه كارل ماركس وفريدريك انجلز عام 1848 واندلقت من آهاته أهم ملامح قرن كامل من حياة سكان هذه المعمورة.
المانيفست؛ مفردة وافدة انسابت الى تجاويف الإذن العراقية، بعد وقت قليل من رؤية العالم لمشهد تلقف شحاطات أطفال بغداد لرأس مارشال (العوجة). ورغم حداثة سن هذه المفردة، يصعب ان نجد عراقياً (صغيراً كان أم كبيراً) لا يعرفها اسماً وجسماً.
فبعد انهيار (جمهورية الجدران) تدافعت كل أنواع البضائع وخاصة النافقة منها، التي انتظرت طويلاً خلف أسوار الوطن. كان قصب السبق في تلك الغزوة من نصيب؛ العربات بمختلف أشكالها وأحجامها وأعمارها. قوافل تلك الهرولة للعربات، منحت جميعاً اسماً جامعاً هو: (عربات المانيفست). وهذه المفردة الرائجة عند العاملين في مديرية الكمارك تعني؛ بيان لتخليص البضائع الداخلة للبلد.
ولكن ما أن ولجت هذه المفردة ذات الرنيّن الخاص، الى سوق التداول، حتى امتشقت حزمة من المعاني، لتغدو بعد وقت قصير، احدى أكثر الاصطلاحات الوافدة جماهيرية. لابل يمكن القول؛ انها تحولت الى ما يشبه الوباء، وصارت قاب قوسين أو أدنى مما يمكن ان نطلق عليه بـ (أنفلونزا المانفيست)...!
فكما ضجت وصخبت عربات (المانفيست) في ما تبقى من شوارع وطرق وطن التجارب التاريخية بعد تبخر الملامح والحدود، تلاشت الجدران عن كرنفالات من مخلوقات (المانفيست) التي تصدرت المجالس (الديمقراطية) وكم هائل من كيانات (سياسية) ومنظمات (مجتمع مدني) وصحف (حرة) وقنوات فضائية (لا حدود لفضاءاتها) ورجال دين يجيدون كل شيء إلا فك طلاسم تلك الوصية المنسية؛ (كرمنا بني آدم) وشيوخ عشائر يفزعون لترميم المؤسسات (الديمقراطية) بمؤتمرات مباركة حكومياً.....
وبعد ان تجاوز عدد العربات التي فخخت وفجرت في المدن العراقية، وفي الأماكن الأكثر احتشاداً بـ (عيال الله) الألف عربة من مختلف الأشكال والأحجام، نقلت وسائل الإعلام الو رقية والالكترونية والسمعبصرية نقلاً عن جنرال المرور، خبراً يزف فيه البشرى الى الناس بقرب أجل اللوحات المؤقتة (المانفيست) بعد ان أنجزت فصولاً متوهجة من (الفوضى الخلاقة) على مسرح البستان !.
وليس أمامنا إلا ان نعلل النفس بالوعود، وانتظار بزوغ جيل جديد من العربات المرصعة باللوحات الدائمية، وشوارع وساحات لامكان فيها لسلالات (المانفيست). قد يحسب البعض هذا الأمر هيناً على دولة تعيل وظائفها ودراهمها ما يقارب نصف سكان هذا البلد. لكن الأمر على غير ذلك تماماً؛ لأن ذلك يعني إننا اقترفنا خطوة جادة صوب الانعتاق من براثن حقبة اللوحات المؤقتة، وستكون بمثابة كرة الثلج التي تدشن عهد تصدع حقبة (المانفيست).
ان تنكمش مخلوقات تلك الحقبة ويتقلص حجم نفوذها وسطوتها في الحياة العراقية، ذلك يعني انها قد استنفدت دورها العشوائي؛ في تلبية ذلك الكم الهائل من الحاجات والمتطلبات، التي تكلست مفاصلها من طول الانتظار تحت ظل الجدران. بركات ونعّم حجبت عن (عيال الله) في ممالك الحملات الإيمانية والفزعات التاريخية.
مثل هذه المراحل الفوضوية، ليست غريبة في تراث المجتمعات والأوطان والأمم، خاصة تلك التي يسيل لها لعاب القراصنة والمهووسين بالتجارب الخائبة.
حقبة تعرف اليوم بـ (المرحلة الانتقالية) والتي يتقلص مداها وحجم فواتيرها بمقدار ارتفاع همة ومسؤولية ودرجة وعي مجتمع ما، وغير ذلك تعيد إنتاج فقاعاتها كما هو شائع في المضارب المتورمة. عن هذه المرحلة قال غرامشي:
( القديم يحتضر، والجديد لا يستطيع ان يولد بعد. في هذا الفاصل تظهر أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها ).
ويا لهول الأعراض التي خلفها النظام المباد، بعد ان استعار طاقية الإخفاء من مغارات (كنوزنا الرمزية)...ويا لتنوع وحيوية فولكلورنا الوطني ورشاقة دقلاته الآيديولوجية المولعة بسلع (المانيفست). أما القادم الجديد، والذي انتظره سكان ارض الميزوبوتاميا طويلاً، فأشد ما نخشاه ان لا يكون غير (حمل كاذب) وفقاعة أخرى من (الفوتات) التي تركت على عاتق (الزلم)....!
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):