ما الذي أنطق المالكي؟
تكفي مراجعة سريعة للكلمات التي ترددت علي غير لسان بمناسبة مرور ذكري قيام حكومة المحاصصة في بغداد لإدراك أن ثمة ما يشبه الناظم المشترك بين ممارسات تتكرر في كل عام .ولعل في تكرارها ما يسهم في التعرّف علي خطاب ثابت يمثل ما يشبه نظاماً معرفياً تبلور مع مرور الأيام واكتسب سلطة الحقيقة وأدواتها ، إلي حد أصبح معه التفكير في أسلوب تشكيلها بطريقة مغايرة ، انتهاكاً للبداهة ونقضاً لما في المألوف من طمأنينة حتي إن كانت متوّهمة.بيد أن مشكلة هذا الخطاب في اختزانه قدراً لا يُستهان به من السذاجة والخفة والسهولة يبددها في الواقع ، إذ يسهم في تحويلها إلي موضوع للاستثمار السياسي والأيديولوجي، ويحوّل العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلي نوع من التطهير والتطهّر الذاتيين، عبرممارسات بلاغية وشعائرية تجد مدلولها الحقيقي في علم النفس أكثر مما تجده في السياسة. وفي الحالتين ثمة ما يُعرقل إقامة علاقة أقل ما يقال إنها سوية بالواقع.والحال أن الهجوم الذي شنّه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي علي الديمقراطية التوافقية واصفاً إيّاها بأنها ليست سوي محاصصة طائفية ، لا يصح فيها وصف الاكتشاف ، إلا أنها، مع هذا، تحمل دلالة أبعد. فطوال السنوات القليلة الماضية اختُصرت العملية السياسية الجارية في مكوناتها الرئيسة الثلاثة ، وقد بدا أنه ما من متسع لأصوات أخري . فنظام المحاصصة الطائفية وحده ما يساوي الوطن، وكل ما عداه لزوم ما لا يلزم. وإذا ما كان من سمات هذا النظام أنه يحجب مجتمعه ويختزله فيه ، فهذا ما شرع يتغير علي نحو أو آخر.وما يلوح في الأفق وكأنه محاولة أولية لاستخلاص وطنيّة عراقية عابرة للمكونات الرئيسية الثلاثة عبر صيغ تسوّية مع تلك المكونات هو أقرب إلي الاستحالة.فالصغري بينها، لا ترضي بأقلّ من تحويل الوطن ساحة لصراع مباشر ومحتدم مع خصومها ، ولا تقبل بغير العنف سياسةً في إدارة الاختلاف وحسمه ، إضافة إلي غوغائية تتجسد في شعارات إيديولوجية مغلفة بخطاب عام يخبئ خلفه ثقافة سياسية تقتل الواقع قبل أن تعيه ، وتفصّله علي عقيدة ثابتة في يقينها ، بريئة من كل حيرة والتباس ومتربعة علي عرش الحقيقة المطلقة. أما الانتماءات الكبري فتحالف الجغرافية الداخليّة، إذا صحّ التعبير، جعل الوطنيّة العراقية المنشودة وكأنها أشبه بالمستحيل. والطبيعيّ، والحال هذه، ليس سوي رضوخ للهويات القاتلة وللاستبداد المعزّز بالجغرافيا، والأفكار الراسخة المعزّزة بحكم التاريخ، وهو تاريخ شكّله عسف الأنظمة المتعاقبة، وخوف الشيعي أو الكردي الذي تلتوي تعابيره فتغدو باطنيّة ومراوغة، من غير أن تملك، مرّة واحدة، الرحابة التي تجعلها وطنيّة جامعة. وبهذا المعني هي ليست حالة طارئة يمكن إلغاؤها بقرار وإثبات بديلها عبر توافق بين الأطياف السياسية المكونة للكيان. ولما كان الأمر بهذه الصفة، أي أمراً ذاتياً يقع في أصل الكيان العراقي منذ نحو نصف قرن من الزمان، فإن أي مسعي لنزعها كناظم للحياة السياسية فيه، يعني منطقياً نزع أصل هذا الكيان، وهذا محال منطقياً وعملياً.
إلا أن الصورة إياها بالغة التشويش أيضاً، ذاك أن التناقضات التي تواجهها حكومة المالكي لا تؤول إلي وجهة واحدة، إن لم نقل إنها بذاتها متناقضة ومتضاربة في آن.
فالمكوّن السني، أكان في إطار جبهة التوافق أم في الصحوات ، يصعب أن يلتقي في الأساسيات مع المكون الشيعي.
وهذا الأخير يصعب أن يلتقي مع الاتجاه الكردي، لاسيما إذا غلب عليه اتجاه استقلالي (أو انفصالي بلغة خصومه). ثم إن المكونات الثلاثة معاً، لا تجتمع علي قاسم مشترك عريض مع رئيس الحكومة.
وبدلاً من ترسيمها الخط الفاصل بين السياسي والطائفي أو الاثني وتمهّد لموازنة لم تكن دائماً سهلة بين إحراز المكاسب والتمسك بالتعايش، وجدت هذه المكونات فكرة المحاصصة وصفة جاهزة في بناء مؤسساتها الجديدة.
من هنا حدث الاختلال الخطير في الموازين السياسية والاجتماعية والثقافية. وإذا أضفنا المحاولات الحزبية التي حاولت الخروج من رداء المحاصصة الضيق من أجل تغيير يفضي إلي تطوير حياة سياسية، تتراءي عناصر السياسة المتمثلة بذهنية المحاصصة التي ستساهم عاجلاً أم آجلاً بتدمير التجربة السياسية برمتها.
لكن كائناً ما كان الأمر، يبقي أن أول العلاج لـ المحاصصة الطائفية وآخره يتعلقان بترميم مفهوم الديمقراطية التعددية المتعالية عن الولاءات الطائفية والإثنية.
فهذا وحده ما يرمم مفهوم الكيان العراقي ويحميه، وترميم كهذا قد يستنطق في المكونات الثلاثة نوازع تمسكها بمشروع الدولة باعتباره العمود الفقري لكيان عراقي دون أن تهزه طوائفه وإثنياته ذات اليمين وذات الشمال، فقد انتهي هذا التمازج الكاذب بين نظام المحاصصة وبين آليات الحكم الرشيد إلي غير رجعة علي الأرجح، وأصبحت المطالبة بحكومة تكنوقراط تسمع بين الفينة والأخري ، ذلك أن مثل هذه الحكومة قد تصبح أداة فعالة تسمح بالاندماج الوطني الحقيقي بعيداً عن أسلوب المحاصصة الطائفية المقيتة، بحيث تشعر كل فئة أنها جزء مكون من النظام القائم فلا تستقوي بالخارج لكي تقضي علي هيمنة فئوية هي منها متضايقة.
وحكومة التكنوقراط تسمح بالتعبير عن الأفكار والآراء وفتح الإمكانية الحقيقية للمحاسبة بالوسائل السلمية والقانونية، إنها ليست ضرباً من الفن للفن، بل الطريقة المؤسسية التي تسمح بالانتقال السلمي للسلطة من فئة إلي أخري. ومن يتجاهل هذه القاعدة البديهية يتخبأ وراء إصبعه.
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي 2010ـ رؤية إحصائية استشرافية2010
- • هل هذا صحيح ضباط في الجيش الإيراني نواب في برلمان العراق؟؟؟
- • نتائج انتخابات البرلمان العراقي (2010)
- • أنت * أنا * نحن * الأمة العراقية! حوار مع السيدة حذام يوسف طاهر
- • صوت للغد العراقي المشرق
"يمثلون أطياف الشعب العراقي
إقــرأ فيها للعربي والكردي،
للتركماني والكلداني والآشوري
للمسلم والمسيحي والصابئي
المندائي والايزيدي
لمن هدفهم العراق أولاً،
إقرأهـا
انهاصوت كل العـراقيين"


التعليقات (0 تعليقات سابقة):